ابن الحسن النباهي الأندلسي
84
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
قال : فلما سمع القاضي شعره ، وتبيّن له أدبه ، أعرض عنه ومضى لشأنه ، كأن لم يره . فصل [ في رأي ابن أبي عيسى في حدّ الخمر ] : الظاهر من القاضي ابن أبي عيسى أنه ذهب إلى الأخذ بالقضيّة التي تضمّنتها أبيات الفتى المتأدّب بقول زفر إنّ حدّ الخمر لا يقوم بالإقرار مرّة واحدة حتى يقرّ الشارب على نفسه بالشرب مرّتين ، أو بقول الشافعيّ والكافي أنه لا يحدّ إلّا من الشهادة على شربها ، أو قيئها ، لا من الرائحة ، أو يتخيّل السكر أو ظنّ القاضي أنّ الفتى ممّن لم يبلغ سنّ التكليف ، أو قيل له عنه إنه كان مكرها وحسب النازلة من باب درء الحدود بالشبهات . واللّه أعلم أي ذلك كان ؛ فلا وجه لحكم في إسقاط حدّ لغير عذر ولا تأويل ؛ فإجماع المسلمين منعقد على تحريم خمر العنب النيء قليله وكثيره ، وعلى وجوب الحدّ فيه . وإنما الخلاف في التفصيل والقدر ؛ فمذهب الجمهور من السلف والفقهاء : مالك ، وأبي حنيفة ، والثوريّ ، والأوزاعيّ « 1 » وأحمد ، وإسحاق ، وغيرهم أنّ حدّه ثمانون جلدة . وقال قوم منهم أهل الظاهر ، إنّ حدّه أربعون . قال الشافعيّ : بالأيدي والنعال وأطراف الثياب . وعند مالك وغيره : الضرب فيه بسوط بين سوطين وضرب بين ضربين ؛ والحدود كلّها سواء . وعند الزّهريّ ، والثّوريّ ، وإسحاق ، وأحمد ، والشافعيّ أنّ حدّ الخمر أضعف الحدود . قال صاحب « الإكمال » : ورأى مالك وبعض أصحابنا في المدمن عليه التغليظ بالفضيحة ، والطواف والسجن . واختلفوا في المريض الذي لا يرجى برؤه ؛ فمذهب مالك والكوفيّين وجمهور العلماء أنه لا يجري فيه إلّا ما يجري في الصحيح ، ويترك حتى يبرأ أو يموت . وقال الشافعيّ ؛ يضرب بمثكول « 2 » نخل يصل جميع شماريخه إليه ، أو ما يقوم مقامه . والمذهب إلزام السكران جميع أحكام الصحيح ؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه وهو حقيقة مذهب الشافعيّ وفرق بين الشارب مختارا وبين المستكره . وأكثر العلماء ذهب إلى أنّ الحدود كفارة ؛ ومنهم من وقف ، واحتجّ
--> ( 1 ) في نفح الطيب : « والأوزعي » . ( 2 ) جاء في محيط المحيط ( مادة ثكل ) : الإثكال والأثكول : لغة في العثكال والعثكول وهو الشمراخ الذي عليه البسر .