ابن الحسن النباهي الأندلسي

78

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

استحسن قول ابن حبيب وأصبغ ، ورأى ما رأيا من قتله . وأمر الفتى حسّانا ؛ فخرج إليهم ، فقال لابن السليم : « قد فهم الأمير ما أفتى به القوم من أمر هذا الفاسق . وهو يقول لك : أيّها القاضي ! اذهب ؛ فقد عزلناك . وأما أنت ، يا عبد الأعلى ، فقد كان يحيى بن يحيى يشهد عليك بالزّندقة ؛ ومن كانت هذه حاله ، فحرى ألّا تسمع فتواه ! وأمّا أنت ، يا أبان بن عيسى ! فإنّا أردنا أن نولّيك قضاء جيّان ؛ فزعمت أنك لا تحسن القضاء . فإن كنت صادقا ، فعليك أن تتعلّم ؛ وإن كنت كاذبا ، فالكاذب لا يكون أمينا مفتيا » ثم قال حسّان لصاحب المدينة : « يأمرك الأمير أن تخرج الآن مع هذين الشخصين عبد الملك وأصبغ ؛ فتأمر لهما بأربعين من الغلمان ينفذون لهما في هذا الفاسق ما رأياه » ثمّ أخرج المحبوس ، ووقفا معا حتى رفع فوق خشبة ، وهو يقول لعبد الملك : « يا أبا مروان ، اتّقوا اللّه - عزّ وجلّ - في دمي ! فإني أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا رسول اللّه » وعبد الملك يقول : « الآن ! وقد عصيت ! » حتى طعن . وانصرفا . نبذ من أخبار سليمان بن الأسود الغافقيّ « 1 » منها قال القاضي أبو عمر بن عبد البرّ : كان القاضي سليمان بن الأسود رجلا صالحا متقشّفا ، صليبا في حكمه ، مهيبا . وكان السبب في تقليد الأمير محمّد « 2 » إيّاه قضاء قرطبة ، حكم أمضاه بمدينة ماردة ، وهو قاض عليها للأمير عبد الرحمن والده ، ومحمد أمير عليها ؛ وقد احتبس لرجل يهوديّ من تجار جلّيقيّة مملوكة أعجبته ، واشتطّ اليهوديّ في سومها ، فدسّ غلمانه لاختلاسها من اليهوديّ . وفزع اليهوديّ إلى سليمان بمظلمة ، واستشهد بمن حول دار الإمارة ممّن عرف خبرها . فأوصل سليمان إلى محمد ، يعرفه بما ذكره اليهوديّ ، وما شهد به لديه ، ويقبّح عنده سوء

--> ( 1 ) ترجمة سليمان بن الأسود الغافقي في قضاة قرطبة ( ص 155 ؛ 169 ، 173 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 325 ) والمغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 151 - 152 ) . ( 2 ) هو أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن الثاني ، وقد ولي الأندلس من سنة 273 ه . ترجمته في الحلة السيراء ( ج 1 ص 119 - 120 ) وجذوة المقتبس ( ص 11 ) وبغية الملتمس ( ص 15 ) والمغرب ( ج 1 ص 51 - 53 ) .