ابن الحسن النباهي الأندلسي
73
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
بالمنصور ، من بني العبّاس بن عبد المطّلب ، بالمثابة التي كان عليها من شموخ أنفه وسموّ سلطانه . فما زاده التذلل للحكم الشرعيّ إلّا رفعة إلى رفعته ، وعزّة إلى عزّته . فقد جرى حتّى الآن المثل بما حدث له مع محمد بن عمران ، قاضي المدينة في وقته ؛ وذلك أنه لمّا وصل إليها حاجّا ، تظلّم منه الجمّالون ، وصاحوا على القاضي . قال الشّيبانيّ : « فكنت كاتبه ؛ فأمرني أن أكتب إلى المنصور رقعة في الحضور مع من تظلّم منه . فقلت : « تعفيني من هذا ! فإنه يعرف خطّي » فقال : « إذا لا يحملها غيرك » فكتب ، ثمّ ختم الكتاب ، ومضيت ، ودفعته إلى الربيع ، واعتذرت . وقال : « لا عليك » ودخل بالكتاب ، ثمّ خرج ، فقال : « أيها الناس ، إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : قد دعيت إلى مجلس الحكم الشرعيّ ؛ فلا يتبعني أحد منكم ، ولا يكلّمني ، ولا يقم إليّ إذا خرجت » قال : « ثمّ برز ، وبعض وزرائه بين يديه ، وأنا خلفه ، وهو في مئزر ورداء ؛ فلم يقم إليه أحد . فلمّا دخل المسجد ، بدأ بالقبر ، فسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثمّ قال للربيع : « أخشى أن تدخل ابن عمران منّي هيبة ، فيتحوّل عن مجلسه . ولئن فعل ، لا ولي لي ولاية أبدا » ثمّ سار إلى القاضي ، فلمّا رآه ، وكان متّكيا ، أقلق رداءه عن عاتقه ، ثمّ احتبى « 1 » ودعا بالخصوم ، ثمّ قضى لهم بحقّهم ، وانفصل الخليفة إلى محلّه . فلمّا وصل ، أمر الربيع بإحضار القاضي ، فلمّا دخل عليه ، قال له : « جزاك اللّه عن دينك وعن نفسك وعن خليفتك أحسن جزائه » وأمر له بعشرة آلاف درهم . فبقي هذا الفعل من المنصور عبد اللّه العبّاسي معدودا ، على مرّ الأيام ، في مناقبه ، معروفا من فضائله ، مرسوما في كتاب حسناته . وينبغي للقاضي أن يكون شديد التثبّت فيما أسند إليه من أمانته ، غير هائب في الحقّ لسلطانه ، ولا متّبعا له فيما يقدح في وجه ورعه وظاهر أحكامه . ولقضاة العدل في هذا الباب أخبار حسان ، منها قصّة أحمد بن أبي داود « 2 » مع الواثق ، في المسألة التي أغراه بها كاتبه عبد الملك بن الزيّات ، ورام إغضابه عليه ؛ وهي مسألة الأعراب الذين كتب له فيهم عتّاب بن عتّاب ؛ فإنهم كسروا السجن ، وهربوا ، فقطعوا الطريق ،
--> ( 1 ) احتبى : جمع بين ظهره وساقيه وجلس ليصير كالمستند . محيط المحيط ( حبا ) . ( 2 ) في الأصل : « داود » .