ابن الحسن النباهي الأندلسي
64
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
الشأم إلى الأندلس ؛ فوصلها سنة 123 ، فاستوطن مدينة مالقة ، وبنى بأسفل قصبتها مسجدا هو منسوب حتى الآن له . ثم انتقل إلى إشبيلية ؛ فسكنها . ثمّ ولّاه الأمير عبد الرحمن بن معاوية القضاء بقرطبة . وكان من جلّة أهل العلم ، وكبار رواة الحديث ؛ شارك مالك بن أنس في بعض رجاله كيحيى بن سعيد وأمثاله . وأخذ عنه جملة من الأئمة ، منهم سفيان الثوريّ ، واللّيث بن سعد ، وابن عيينة . وذكر أنّ مالك بن أنس روى عنه حديثا واحدا . وكان ممّن يستغنى بعقله وعلمه وفهمه عن مشاورة غيره . ورحل إليه زيد بن الحباب من الكوفة ؛ فسمع منه بالأندلس حديثا كثيرا . وتوفّي بقرطبة ، ودفن ببقيع ربضها ؛ وصلّى عليه الأمير هشام بن عبد الرحمن ومشى على قدميه في جنازته ؛ وذلك سنة 168 . ذكر القاضي نصر بن ظريف اليحصبيّ « 1 » ومنهم نصر بن ظريف اليحصبيّ . ولي القضاء زمانا ، على ما حكاه أبو عمر بن عبد البرّ ، فسار فيه بأجمل سيرة : منها عمله في قضيّة حبيب القرشيّ ؛ وذلك أنه دخل على الأمير عبد الرحمن بن معاوية ؛ فشكى إليه بالقاضي ، وذكر أنه يريد أن يسجّل عليه في ضيعة قيم فيها ، وادّعى عليه الاغتصاب لها ، ولاذ بالأمير من إسراع القاضي إلى الحكم عليه من غير تثبّت ، فأرسل الأمير إليه ، وكلّمه في حبيب ، ونهاه عن العجلة عليه ؛ فخرج ابن ظريف من يومه ، وعمل بضدّ ما أراد الأمير ، وأنفذ الحكم . وبلغ الخبر حبيبا ؛ فدخل إلى الأمير متّغرا « 2 » غيظا ؛ فذكر له ما عمله القاضي ، ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقض له ، وأغراه . فغضب الأمير على القاضي واستحضره ؛ فقال له : « من أمرك على أن تنفذ حكما ، وقد أمرتك بتأخيره والإناءة به ؟ » فقال له : « قدّمني عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فإنما بعثه اللّه بالحقّ ، ليقضي به على القريب والبعيد ، والشريف والدنيء . وأنت أيها الأمير ، ما الذي حملك على أن
--> ( 1 ) ترجم له ابن سعيد وابن الأبار باسم « نصر بن طريف » بالطاء المهملة . انظر المغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 144 ) والتكملة ( ص 415 ) . ( 2 ) متّغرا غيظا : متوقّدا من الغيظ ؛ يقال : وغر يوغر إذا توقّد من الغيظ . محيط المحيط ( وغر ) .