ابن الحسن النباهي الأندلسي

52

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

أن مات إسماعيل بن إسحاق ؛ ففتح الباب لعبد اللّه في ذلك ، فقال : « يا أمير المؤمنين ، بنو حمّاد مشاغيل بخدمة السلطان ، وأسباب النفقات ، والمظالم عن الحكم » . ولم يقدح ذلك فيهم . ولم يزل به بعد مدّة حتى جعله ، وولّى أبا حازم الحنفيّ قضاء الشرقيّة ، وعليّ بن أبي الشوارب قضاء مدينة المنصور ؛ واقتصر بآل حمّاد على قضاء عسكر المهدي . ثم بعد ذلك رجع قضاء القضاة لهم . وكان ابن الطيّب ، مؤدّب المعتضد ، يعظّم أمر آل حمّاد ، ويقول : « حسبك أنّ لهم بتادريا ستّمائة بستان ؛ غير ما لهم بالبصرة وسائر النواحي » . وكان فيهم على اتساع الدنيا رجال صدق وأئمّة ورع وعلم وفضل . وفي إسماعيل بن إسحاق المترجم له أولا ، قال أبو محمد بن أبي زيد : هو شيخ المالكيّين في وقته . وإمام تامّ الإمامة ، يقتدى به . وكان الناس يصيرون إليه ؛ فيقتبس كلّ فريق منه علما لا يشاركه فيه الآخرون ؛ فمن قوم يحملون الحديث ، ومن قوم يحملون علم القرآن ، والقراءة ، والفقه ، وغير ذلك . وقد نقل عنه أبو عليّ الفارسيّ في « تذكرته » أشياء من العربيّة . قال القاضي أبو الوليد الباجيّ ، وسمّى من بلغ درجة الاجتهاد ، فقال : ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلّا لإسماعيل القاضي . وذكره المقرئ أبو عمرو الدانيّ في « طبقات القرّاء » فقال : أخذ القراءة عن قالون ؛ وله فيه حرف . وحكى أبو عمرو أيضا على أبي المثاب القاضي قال : « كنت عند إسماعيل يوما ؛ فسئل : لم جاز التبديل على أهل التّوراة ، ولم يجز على أهل القرآن ؟ فقال : « قال اللّه تعالى في أهل التّوراة : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ « 1 » . فوكل الحفظ إليهم . وقال في القرآن : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 2 » . فلم يجز التبديل عليهم » . فذكر ذلك المحامليّ فقال : ما سمعت كلاما أحسن من هذا . وقد روي أنّ نصرانيّا سأل محمد ابن وضاح عن هذه المسألة ؛ فأجاب بمثل هذا الجواب .

--> ( 1 ) سورة المائدة 5 ، الآية : 44 . ( 2 ) سورة الحجر 15 ، الآية : 9 .