ابن الحسن النباهي الأندلسي

34

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فعملوا عند الأمير في معافاته . فقيل ليحيى بن يحيى : « أهو وجه القضاء ؟ » قال : « نعم ! فيمن عرف بالظلم والقدرة ! » . فصل : هذه المسألة ، التي هي إخراج ما يدّعيه الطالب من يد المطلوب الموسوم بالظلم ، وقع من أمثالها في أمّهات الكتب نظائر ؛ منها في « العتبية » ؛ قال في سماع يحيى : قلت : فقوم عرفوا بالغصب لأموال الناس من ذوي الاستطالة بالسلطان ؛ ثمّ جاء اللّه بوال أنصف منهم وأعدى عليهم ؛ فلا يجد الرجل من يشهد على معاينة الغصب ، ويجد من يشهد على حقّ أنّهم يعرفونه ملك المدّعي ، ثم رأوه بيد هذا الظالم ، لا يدرون بماذا صار إليه إلّا أنّ الطالب كان يشكو إليهم ذلك ، أو لا يشكوه . قال : إذا كان من أهل القهرة والتعدّي ومن يقدر على ذلك ، والبيّنة عادلة ، فذلك يوجب للمدّعي أخذ حقّه منه ، إلّا أن يأت الظالم ببيّنة عادلة على شراء صحيح ، أو علمية لمن كان يأمن ظلمه ، أو يأت بوجه حقّ ينظر له فيه . قال : فإن جاء ببيّنة عادلة على شرائه ، وزعم البائع أنّ ذلك البيع عن فوق من سطوته ، وهو لا يقدر عليه ؛ قال : يفسخ البيع إن ثبت أنه من أهل الظلم والاستطالة . قال : وإن زعم البائع أنه باع وقبض منه الثمن ظاهرا ، ثم دسّ إليه سرّاق ، أخذه منه ، ولو لم يفعل له ذلك لقي منه شرّا . قال : لا يقبل منه هذا ؛ وعليه دفع الثمن إليه ، بعد أن يحلف الظالم أنه ما ارتجعه ، ولا أخذه منه بعد أن دفعه إليه . قال ابن رشد : أما ما ذكره من أنّ الظالم ، المعروف بالغصب لأموال الناس والقهرة لهم عليه ، لا ينتفع بحيازته مال الرجل في وجهه ، ولا يصدّق من أجلها على ما يدّعيه من شراء ، أو هبة ، أو صدقة يريد ، وإن طال ذلك في يده أعواما . أمّا إذا أقرّ بأصل الملك لمدّعيه ، وقامت له بيّنة بذلك ، فهو صحيح لا أعلم فيه اختلافا ؛ لأنّ الحيازة لا توجب الملك ؛ وإنما هي دليل عليه بوجه تصديق غير الغاصب فيما ادّعاه من تصييره إليه ، لأنّ الظاهر أنه لا يجوز أخذ مال أحد ، وهو حاضر لا يدّعيه ولا يطلبه ، إلّا وقد صار إلى الذي بيده ، إذا حازه في وجهه العشرة الأعوام ونحوها ! لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من حاز شيئا عشر سنين ، فهو له ! » معناه عند أهل العلم بدعواه مع يمينه . وأمّا الغاصب ، فلا دليل له في كون المال بيده ، وإن طالت حيازته له في وجه