ابن الحسن النباهي الأندلسي

243

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

حيث خصّ المنع بالشهادة على خطّ الشاهد خاصّة تكون الإنشادات كلّها الخطّيّة واللفظيّة على سنن واحد في الحكم بها عند الشهادة عليها في الأموال وغيرها . ولما ذكره ابن خيرة طريقة شيخه ابن رشد في الجمع بين ما في « الواضحة » وما في سماع أشهب ، في مسألة دعوى الطلاق على الزوج ، قال : إنّه جمع حسن إلّا أنّ نصّ ما في « الواضحة » خلافه ؛ فالأصوب أنّهما قولان . وقد قال ابن الموّاز : الذي نأخذ به بأن لا يجوز من الخطّ شيء إلّا من كتب خطّه على نفسه ؛ فإنّه كالإقرار على نفسه . قال : وهو قول مالك . وهذا هو القول المخالف لما في « الواضحة » أنّه أطلق القول في لزوم ما التزمه الإنسان بخطّه ، ولم يخصّ مالا من غيره ووجه الفرق بين خطّ الشاهد وخطّه الالتزامات . وما ترتّب من الحقوق الواجبات ، ما ذكره ابن حارث في « كتاب الاتّفاق والاختلاف » له ؛ وذلك أنّه ضعف الشهادة على خطّ الشاهد . قال : لأنّه قد يكتب شهادته من لا يؤدي ، ومن إذا سئل الأداء ، استراب ، ومن لا يعرف من أشهده إلّا على عينه ؛ وهذا كلّه توهين للعمل على خطّ الشاهد ، بخلاف إقرار الإنسان على نفسه أو كتبه ما يعلن عليه حقّا لغيره . [ مسألة في من وجد بخطّه شيء من المذاهب الفلسفيّة المخالفة للشريعة أو ما بمنزلتها في هذا المعنى ] مسألة أخرى ؛ وهي : من وجد بخطّه شيء من المذاهب الفلسفيّة المخالفة للشريعة ، أو ما بمنزلتها في هذا المعنى ، حكمها أن ينظر في المكتوب ؛ فإن كان فيه تصريح أنّ كاتبه يقول به ويرتضيه ، وهو بلسانه ينكره وينفيه ، فيجري حكمه على ما سبق ذكره في الخطّ ، إذا ثبت من تعليق يمين به ، أو سجن إن لم يحلف على نفيه ، أو إنفاذ ما يوجبه الخطّ على من أقرّ بمضمّنه ، بحسب ما يقتضيه ؛ وإن كان الخطّ بتلك المذاهب نقلا مرسلا غير مضاف قولا لكاتبه ، ولا مرتضى له مذهبا من قبله ، فبئس من كتب بيده ، ممّا هو عرضة للإخلال ، وهو رصد للطعن على الدين بسببه ؛ وهو حقيق بالتحريق والزجر عن مثله . وقد قال تعالى في قوم أضلّوا غيرهم بمكتوبهم : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ « 1 » وقد تقدّم في اسم محمد بن يبقى بن زرب ما كان من عمله سنة 350 جملة من أتباع ابن مسرّة الجبليّ ، وأنّه استتابهم ، وأحرق ما وجد من كتبهم وأوضاعهم عندهم « 2 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة 2 ، الآية : 79 . ( 2 ) تقدم ذلك ( ص 105 ) .