ابن الحسن النباهي الأندلسي

24

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وللحاكم المجتهد أن يتخيّر عن الاختلاف عليه ، وأن يأخذ بما يراه أحوط لدينه وعرضه . قال : وإن لم يكن على ما قضى به مذهب العلماء بذلك الموضع ، فليس لقاض بعده نقضه ، ولا اعتراضه ؛ وإنّه نافذ تامّ ؛ وإن ظهر له في نفسه أنّ قول غير من أخذ بقوله خير مما أخذ به ، كان له نقضه هو خاصّة ، ولم يكن ذلك لأحد بعده . وفي « كتاب الأقضية » من « المدوّنة » : إذا تبيّن للقاضي أنّ الحقّ في غير ما قضى به ، رجع عنده ؛ وإنما لا يرجع به فيما قضت به القضاة ممّا اختلف فيه . قال صاحب « التنبيهات » : حمل أكثرهم مذهبه في الكتاب على أنّ الرجوع له ، كيف كان حاله من وهم أو انتقال رأي ، وهو قول مطرّف وعبد الملك . ووقع في « منتخب » ابن مغيث : وتنقسم أحكام القضاة ، على مذهب مالك وجميع أصحابه ، على ثلاثة أقسام : أحدها في الحكم العدل العالم ؛ فأحكامه كلّها نافذة على الجواز ، ولا يتعقّب له حكم ؛ والوجه الثاني في الحكم العدل الجاهل المقلّد ؛ فللحكم الذي يلي بعده أن يتعقّب أحكامه ؛ فما وافق الحقّ منها ، نفذ ومضى ، وما خالف الحقّ ردّه وفسخه ؛ والوجه الثالث في الحكم الجائر المتعسّف ؛ فللحكم الذي يلي بعده أن يفسخ أحكامه كلّها ، ولا ينفذ له حكما . ومن كتاب سليمان بن محمد بن بطّال ؛ قال ابن الموّاز : لو أنّ قاضيا نقض حكم قاض قبله قد كان حكم به ، ثمّ ولي قاض ثالث وعزل الثاني ، نظر : فإن كان حكم القاضي الأوّل ممّا يحكم به ، وممّا يختلف فيه القضاء والفتيا ، رأيت نقض الثاني له خطأ صراحا ؛ فأرى للثالث أن ينقض حكم الثاني ، وينفذ حكم الأول ، وإن كان خلافا لما يحكم به الثالث ؛ وإن حكم الأول خطأ صراحا ممّا لا اختلاف فيه ، لم أر للثالث أن يردّ حكم الثاني إلى ما حكم به الأوّل . فصل في التحذير من الحكم بالباطل أو الجهل : قال اللّه - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى « 1 » . و « يَجْرِمَنَّكُمْ » معناه يحملنكم . قاله ابن حبيب . عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الحكّام ثلاثة ؛ اثنان في النار وواحد في الجنّة . حكم حكم

--> ( 1 ) سورة المائدة 5 ، الآية : 8 .