ابن الحسن النباهي الأندلسي
234
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
الصحابة وحضورهم ومشورتهم مع علمه وفضله وفقهه ، وحسن بصيرته بمآخذ الأحكام وطرق القياس ومعرفة الآثار . ونقل عن عثمان بن عفّان - رضي اللّه عنه - أنّه كان ، إذا جلس ، أحضر أربعة من الصحابة ، ثمّ استشارهم ؛ فإذا رأوا ما رآه ، أمضاه . قال محمد بن عبد الحكم : وليس ينبغي لأحد أن يترك المشاورة ، ولا ينبغي له أن يثق برأي نفسه ؛ ولا يدخل على الإمام من فعل ذلك استكبار ؛ فإنّ سلف هذه الأمّة وخيار الصحابة - رضي اللّه عنهم أجمعين - كانوا يسألون عمّا ينزل بهم ، ويتفاوضون في أمورهم ، ويلاحظون في أحكامهم قول اللّه العظيم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ، شُهَداءَ لِلَّهِ ، وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما « 1 » أي : يا أهل الإيمان ، أقيموا العدل بالإقرار على أنفسكم وبالشهادة على غيركم ، من غير مبالاة في قول الحقّ والقيام به بقرابة ولا بغنيّ ولا بفقير . يقول : لا تداهنوا في الحق حبّا للنّفس ولا حمية للقريب ولا رعاية للغنيّ ، ولا شفقة على الفقير ، فاللّه أولى بالجميع ! فقد أخبر اللّه سبحانه في هذه الآية جميع المؤمنين من الحكّام وغيرهم بالقيام بالقسط . وذلك في النوازل متوجه على المشاورين والمفتين ، إذا وقفت النازلة عليهم ، وعلى الأئمّة والقضاة ، إذا تأدّت القضيّة إليهم . فإذا تبيّن للناظر في النازلة الحقّ المحض الذي لا مرية « 2 » فيه ، وكملت لديه موجباته ، أنفذه وأمضاه أحبّه من أحبّه ، أو كرهه من كرهه . وممّن قام به من القضاة بقرطبة ، نصر بن ظريف « 3 » . ومنه علمه مع حبيب القرشيّ في الضيعة التي قيم فيها عليه بدعوى الاغتصاب ، ونهاه الأمير عند شكواه عن العجلة عليه ، فخرج من فوره وعمل بضدّ ما أريد منه ، وأمضى الحكم على وجهه وسجّل به ، وقد مرّ ذكر ذلك في اسمه . ومن كلام سحنون ، حين سئل عن القاضي يثبت عنده الحقّ للرجل ، فيريد أن يسجّل له كتابا بما ثبت عنده ، فيحضر خروج الإمام غازيا ؛ فيأمر القاضي بأن لا ينظر
--> ( 1 ) سورة النساء 4 ، الآية : 135 . ( 2 ) المرية : الشّكّ . محيط المحيط ( مري ) . ( 3 ) تقدمت ترجمته في هذا الكتاب ( ص 64 ) وأشرنا هناك إلى مصادر ترجمته .