ابن الحسن النباهي الأندلسي

226

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

البيّنة وإذا أمكن تعيين الخطاب ، فهو من الصواب ؛ والإطلاق سائغ ، لا سيّما عند شدود الغريم . فقد سئل مالك عن الرجل يثبت حقّه عند القاضي ، أيعطيه كتابا إلى أيّ الآفاق كان ، ولا يسمّي فيه أحدا ، لا قاضيا بعينه ، ولا بلدا بعينه . قال : « نعم ! أرى ذلك يجوز ، إذا ثبت عند القاضي الذي يرفع إليه الكتاب أنّه كتاب القاضي الذي كتبه وبعث به مثل الرجل يطالب غريمه لا يدري بأيّ الآفاق هو ، أو أين يلقاه ، أو العبد الآبق ، وما يشبهه » . وقاله ابن القاسم وأصبغ عنه . قال سحنون : وإذا جاء بكتاب قاض إلى قاض ، وأنّ فلانا له من الدين على فلان كذا وكذا ، لم يجز ذلك ، حتى ينسبه إلى أبيه ، وإلى فخذه الذي هو منها ، أو ينسبه إلى تجارة يعرف بها مشهورة . [ مسألة : إذا كتب قاض بما ثبت عنده ثمّ مات الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه ] الفرع الثاني ، إذا كتب قاض بما ثبت عنده ، ثمّ مات الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه ، فإنّه ينفذه ، ويبني عليه إذا بلغه ، ويبني عليه الحكم . قال أشهب في « المجموعة » : قال مالك : وإن عزل الكاتب ، فلينفّذ بهذا ، إن كان ممّن تجوز كتابته لعدالته ، ومثله عن ابن القاسم ، وسواء مات أحدهما ، أو عزلا ، أو أحدهما ، إذا كان الذي كتبه هو وال . وبه أقول ، ولا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم . ومثله في كتاب ابن حبيب ، عن ابن الماجشون ، ومطرّف ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ . قال : وجميع أصحابنا . ومن كتاب ابن الموّاز : وإذا تظلّم المحكوم عليه من كتاب الأوّل ، وسأل الثاني أن يستأنف النظر فيه أو في بعضه ، فليس له ذلك إلا بأمر بيّن ؛ وكذلك لو ولي قاض آخر مكان القاضي ، لكان مثل ما قيل في المكتوب إليه . قال القاضي أبو الوليد بن رشد : لما كان الأصل أنّ القاضي ينفّذ ما ثبت عنده من قضاء أحكام البلد ، وإن كانوا على كتاب إلى قاضي مصر ، وقد حجّ قاضي مصر ، وأمره بالخروج إليها ، لم يكن له أن يسمع من بيّنة أحد في دعوى على من بمصر ، حتى يصير إليها . قال القاضي أبو الأصبغ ، وقد نقل ما ذكرناه : ونزلت من هذا المعنى مسألة ، سألت عنها ابن عتّاب شيخنا : « وكذلك القاضي يحلّ بغير بلده ، وقد كان ثبت عنده ببلده حقّ لرجل ؛ فسأله الذي له الحقّ أن يخاطب له من موضع احتلاله قاضي موضع مطلوبه ، بما كان ثبت عنده ببلده ؟ » فقال لي : « لا يجوز ذلك ! »