ابن الحسن النباهي الأندلسي
195
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
الوباء ، وقلّ عدد الذاهبين به والمسالمين بسببه ؛ فأخذ بالجدّ التامّ في صرف الأوقاف إلى إمكانها ، ووضع العهود في مسمّياتها ؛ فانتشع بذلك الفلّ ، وذهب على أكثرهم القلّ ، واللّه لطيف بعباده . وكان هذا الرجل المترجم به جلدا ، قويا في نفسه ، بدنا ، طوّالا هاشميّا خلقا وخلقا ، نبيها ، نزيها ، خطيبا ، مهيبا ، أصيل الرأي ، رصين العقل ، قائما على عقد الشروط وعلم الحساب والفرائض على طريقة جدّه وسميّه الوليّ أبي عبد اللّه . ولمّا منّ اللّه سبحانه برفع ما كان نزل بالناحية المالقيّة من الطاعون ، واستروح من بقي بها من الخلائق روح الحياة ، وكادت النفوس أن ترجع . إلى مألوفاتها ، وتقوم ببعض معتاداتها ، نهض بنفسه القاضي أبو عبد اللّه إلى أمير المسلمين السلطان المؤيّد أبي الحجّاج « 1 » - رحمه اللّه وأرضاه ! - فورد عليه ، وهو بحضرته ، وطلب منه الإنعام عليه بالإعفاء من القضاء ؛ فأنزله بمنزلة التجلّة ، وراجعه بعد ذلك بما حاصله : « حوائجك كلّها مقضيّة لدينا ، إلّا ما كان الآن من الإعفاء ؛ فارجع إلى بلدك ، واكتب إلينا إن شئت من هنالك بما يظهر لك ، بعد تقديم الاستخارة . ولعلّ العمل أن يقع بموافقة إرادتك ، إن شاء اللّه ! » فارتحل عنه شاكرا فعله ، وداعيا بالخير له ، هو وكلّ من بلغه عن السلطان ما قابل به مستعفيه . هذا من التلفّظ الجميل ، والفضل الجزيل . ثمّ كتب من بدله مالقة ، يخبر باستمرار عزيمته على ما نواه أوّلا من الخروج عن القضاء ، والاقتصار على الخطّة . فوصله الجواب بإسعاف غرضه . وتقدّم الشيخ أبو القاسم بن سلمون الكنانيّ قاضيا في مكانه ، فأظهر السرور بذلك كلّه . ولمّا قدم ابن سلمون على مالقة ، تلقّاه ، وحيّاه ، وحضر عن اختياره ، تخلّقا منه وتواضعا في جملة الفقهاء وعامّة أهل المصر بالقبّة الكبرى من المسجد الجامع ، عند قراءة رسوم الولاية ، على العادة المعتادة هنالك . ثمّ انتقل القاضي الجديد ، إثر الفراغ من الغرض المطلوب ، بالاجتماع إلى مجلس الحكومة ؛ فمال إليه الحاضرون ، وتبعوه بجملتهم ، وتركوا صاحبهم القديم ، كأن لم يشعروا به ،
--> ( 1 ) هو أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل ، وقد حكم غرناطة من عام 733 ه إلى عام 755 ه . اللمحة البدرية ( ص 102 - 112 ) .