ابن الحسن النباهي الأندلسي

181

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

عمّا تسوله شياطين الإنس وتحليه ، وتعدّه من الأباطيل وتمنّيه ، وعد عما يزخرفه كلّ خف مزق القول منها فيستند كلّ نقل روايته إلى أصل غير ثابت ؛ فيربط قياس رؤيته بما أطمع خضراء الدمن نابت ، قد غمس في آل القاضي يمين طمعه ، وجزاه على غموس اليمين فرط هلعه . فما ينطق لسانه إلّا بما يجعل في كفّه من الصامت ، واعتمد مشورة ناصح لك بإلغاء نصحه حذر الوشاة فتخافت . وإذا حضرك الغاوون المستبغون ، وألقوا من حبال كيدهم وعصى مكرهم ما هم ملقون ؛ فتعوّذ باللّه من شرّ ما يشركون ، واستحضر من الحقّ كلمة تلقّف ما يأفكون وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً « 1 » . ثمّ اسمع من لسان الحال ، وهو أفصح من لسان المقال ، حجّة من اعتاد سيلان الفضائل من يديك ، ومثله جاثيا للاحتكام لديك ، أليس من قواعد الحكم نظر حال المدّعي وحال المدّعى عليه ، ومن يليق به ما عزى له ومن لا يناط به ما نسب إليه ؟ هل يستويان مثلا ، أو يتقاربان قولا ويتقارنان عملا ، أو يتباعدان بعد المشرقين ، ويتباينان فوق ما بين عطاردين ؟ فمن الذي يتلو الآيات ويردّد واعظها ، ويسرد الأحاديث ويسمع مواعظها ، ويطرد في الأسحار الهجوع ، ويرسل في مجالس الخير الدموع ويتعبّد مع العابدين ، ويتقلّب مع الساجدين ؟ أم هو كذا وكذا وكيت وكيت ممّا يكثر عند التعداد ، ولا يحمل في مثله استعمال القلم والمداد ؟ فعلى من تحمّل اليمين والكذب ، أعلى من ألفه الجدّ أم على من غلب عليه اللعب ؟ فإنّ غير هذا أو غير هذا لأمر ما وقيل هما في الثناء سيّان ، وعند النداء سمّيان ، وقد ظهر للمدّعي في صكوك الحساب رجحان ، وهذا ديوان العمل فيه شهادة فلان على خطّ المطلوب وفلان ، فادرا هذه الشبهة المشوّهة والحجّة الداحضة المموّهة ، فإن اضطراب المذاهب في العمل بالكتاب ، وتفرّق أربابها على أشتات الطرق والشعاب ، فمنهم من أهمله حملة في كلّ الأمور ، ومنهم من أعمله في بعضها وهو القول المشهور ! يا للعجب إذا كانت شهادة العدول تردّ بالاستبعاد ، بدعوى فيما يقدر على تحصيله بيسير العثرات والآحاد ! وعند التأمّل بإنصاف ، وتجنّب الميل والانحراف ، يبدو من أحوال هذه القضيّة قرائن توجب فضّ ذلك

--> ( 1 ) سورة النساء 4 ، الآية : 112 .