ابن الحسن النباهي الأندلسي

179

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وكان الجنيد وقت الشاخة لا يلحقه الشباب في العبادة . ومن تلك النسبة أيضا كان شيخنا أبو عبد اللّه بن بكر ؛ فإنّه لم يكن في الغالب يأكل إلّا عند حاجة ، ولا ينام إلّا عن غلبته ، ولا يتكلّم بغير العلم إلا عن ضرورة . وبقي كذلك زمانا ، يدرّس بالمسجد القريب من منزل سكناه احتسابا . ثم تقدّم ببلاده للوزارة ، ناظرا في أمور العقد والحلّ ، ومصالح الكافّة . ثمّ ولي القضاء به ؛ فأظهر من الجزالة والشدّة ما ملأ به وجدا صدور الحسدة ، ونسبوا إليه أمورا حملت على إخراجه من مالقة ، وإمكانه بغرناطة ؛ فبقي بها يسيرا ، وتقدّم منها بالمسجد الجامع خطيبا . ثمّ ولي قضاء الجماعة ؛ فقام بالوظائف ، وصدع بالحقّ ، وبهرج العدول ؛ فزيّف منهم ما ينيف على الثلاثين عددا ، استهدف بذلك إلى محادة ومناسبة ومعادلة خاض ثبجها وصادم تيارها غير مبال بقيل أو قال ؛ فأصبح في عمله ، مع كتبة الوثائق بغرناطة ، أشبه القضاة بيحيى بن معمر في طلبة قرطبة ، إذ بلغ من مناقشته أن سجّل في يوم واحد بالسخطة على تسعة عشر رجلا منهم . وجرت لابن بكر في هذا الباب حكايات يطول ذكرها ، إلى أن استمرّت الحال على ما أراده . وعزم عليه أميره في إلحاق بعض من أسخطه بالعدالة ؛ فلم يجد في قناته مغمزا ؛ فسلّم له في نظره . ولم يزل مع ذلك ملازما أيّام قضائه للإقراء مع التعليم ؛ درّس العربيّة ، والأصول ، والفقه ، وإقراء القرآن ، والحساب ، والفرائض ؛ وعقد مجالس الحديث شرحا وسماعا . وربّما نحا في بعض أحكامه أنحاء مصعب بن عمران أحد القضاة قديما بقرطبة ؛ فكان لا يقلّد مذهبا ، ويقضي بما يراه صوابا . وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة بعد ، بحول اللّه . وإن قلنا عن القاضي ابن بكر إنّه كان في شدائد أحكامه أشبه علماء وقته بسحنون بن سعيد ، لم يكن في ذلك ببعيد ؛ فإنّه أدّب الناس على الحلف بالأيمان اللازمة ، وأنكر سوء الحال في الملابس ، وفرّق مجتمعات أرباب البدع ، وشدّد أهل الأهواء بالسجن والأدب ، على سبيل في ذلك كلّه من اتّباع السنّة واطّراح الهواء له ، وخفض الجناح لأهل الخير . وكان في خطبه وصلاته كثير الخشوع ، لا يتمالك من سمع صوته في الغالب من إرسال الدموع ؛ يقرأ في الصبح بما فوق المفصّل ؛ فيحسبه المصلّي خلفه كأنما