ابن الحسن النباهي الأندلسي

120

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

يستخلف عنه من يظهر له متى احتاج إلى ذلك ، وإن كان مقيما بقصره ؛ وأن ينفرد يومين من كلّ جمعة برسم تفقّد أملاكه ، والنظر في مصالح نفسه الخاصّة به ؛ وأن يكون له النظر على ولاة الكورة وسائر المشتغلين بها ، حتى لا يجري حيف على أحد ، في ناحية من نواحيها ، ولا يقع فيها تصرّف لحاكم في أمرهم إلّا عن إذنه ، فأنفذ ذلك كلّه وأمضاه . وما كان قصده ، على ما قيل عنه ، إلّا إبعاده الكلفة عن نفسه ، وطمعه ، عند الاشتراط في تركه . وكان حازما ، صارما ، عدلا في أحكامه ، جزلا ، وبقي على حالته إلى أن قتل الأمير يحيى الملقّب بالمعتلي بظاهر قرمونة ، وتولّى الأمر بعده ولده حسن ؛ وحاجبه نجاء الصقلبيّ ، ووزيره أبو محمد السّطيفيّ ؛ فاستعفى ابن الحسن من القضاء ، وذهب إلى العدول عن طريق الحاجب والوزير ، لما رآه في الدولة من الاضطراب . وفي أثناء ذلك ، توفّي حسن الأمير ، وأراد نجاء بقاء الأمير باسم ابن صغير كان له ؛ فمات لحينه . ويقال إنّ نجاء قتله وأجمع على نحو أمر الحسنيين وأن يضبط هو البلد لنفسه ؛ فدعا لذلك البربر ، وهم كانوا أكثر الأجناد ؛ فساعدوه في الظاهر ؛ وعظم ذلك عليهم . ثم إنّ الحاجب ترك السّطيفيّ بمالقة ، وتوجّه إلى الجزيرة ليملكها ؛ فلم يتّفق له ملكها ؛ فرجع إلى مالقة . فلمّا كان بقرية فرت بعون ، قتل الجند نجاء ، وقطعوا رأسه ؛ وسبق منهم فرسان إلى مالقة ؛ فقالوا : « جئنا للوزير لنأخذ منه البشرى بدخول نجاء الجزيرة » . فلمّا وصلوا إليه ، وضعوا فيه سيوفهم ، وقتلوه ، واستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه ، إذ كان معتقلا هنالك من قبل الحاجب والوزير . وبايعه الناس ، وتسمّى بالعالي باللّه ، الظاهر بأمر اللّه . قال القاضي أبو عبد اللّه بن عسكر ، وقد ذكر في كتابه هذا الأمير : وكانت بيعته يوم الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأخيرة من سنة 434 . وكان نبيه القدر ، رفيع الذكر ، رحيم القلب ، يتصدّق كلّ يوم جمعة بخمسمائة دينار . وردّ كلّ مطرود عن وطنه إلى محلّه ، ولم يسمع بغيا في أحد من رعيته . وكان أديب اللقاء ، حسن اللباس ، يقول من الشعر الأبيات الحسان . ثم قال ابن عسكر : قدّم للأحكام بمالقة الفقيه أبا عبد اللّه بن الحسن . ووقفت على كتاب تقديمه بأيدي عقبه ، ابتداؤه بعد