ابن الحسن النباهي الأندلسي
112
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
ذكر القاضي ابن برطال « 1 » والقاضي أبي العبّاس بن ذكوان « 2 » وتقدّم بقرطبة قاضيا ، بعد ابن زرب ، محمد بن يحيى بن زكرياء التميميّ ، المعروف بابن برطال ، خال المنصور محمد بن أبي عامر . ثم تلاه أبو العبّاس أحمد بن عبد اللّه بن ذكوان ، وتسمّى بقاضي القضاة . قال ابن عفيف : وكان من خير القضاة نزاهة ، وعلما ، ومعرفة ، ورزانة ، وعدلا ، وحزامة . وقال غيره : كان القاضي أحمد بن عبد اللّه في ولايته موقر المجلس ، مهيب الحضرة ؛ ما رأيت مجلس قاض قطّ أوقر من مجلسه . وكان إذا قعد للحكم في المجلس ، وهو غاصّ بأهله ، لم يتكلم أحد منهم بكلمة ، ولم ينطق بلفظة غيره وغير الخصمين بين يديه ، وإنما كان كلام الناس بينهم إيماء ورمزا ، إلى أن يقوم القاضي ؛ فصار حديثه في ذلك عجبا . ولقد أتته ، في بعض مجالسه ، من الأديب أبي بحر أنس بن أحمد الجيّانيّ ، داهية لم يبلغه بمثلها أحد ، لفرط هيبته ؛ وذلك أنه كلّم بين يديه خصما له ، كلاما استطال فيه عليه ، بفضل أدبه ، وطلاقة لسانه ؛ وفارق عادة المجلس في التوقير ، فرفع صوته ، وعزّ عطفه وحسر عن ساعديه ، وأشار بيديه ، مادّا لهما إلى وجه خصمه ، واعيا على الأعوان تقديمه . فتأوّله القاضي بنفسه ، وأنكر عليه إكثاره ، وقال : « مهلا ! عافاك اللّه ! اخفض صوتك واقبض يدك » فقال له أنس : « ومهلا يا قاضي ، أمن المحذّرات أنا ، فأخفض صوتي ، وأستر يدي ، وأغطي معصمي لديك ؟ أم من الأنبياء أنت ؟ فلا أجهر بالقول عندك ! وذلك شيء لم يجعله اللّه تعالى إلّا
--> ( 1 ) توفي ابن برطال سن 394 ه ، وترجمته في تاريخ علماء الأندلس ( ص 792 - 795 ) والمغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 215 ) وأعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 49 ) . ( 2 ) توفي ابن ذكوان سنة 413 ه ، وترجمته في جذوة المقتبس ( ص 129 - 130 ) وبغية الملتمس ( ص 186 ) والمغرب ( ج 1 ص 215 - 216 ) والصلة ( ص 67 - 68 ) وترتيب المدارك ( ج 4 ص 662 ) والحلة السيراء ( ج 1 ص 271 ) وأعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 49 ) والذخيرة ( ق 1 ص 263 ) وصفحات متفرقة من البيان المغرب ، الجزء الثالث ، وديوان ابن شهيد ( ص 89 ) .