ابن الحسن النباهي الأندلسي
100
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
والأصل في هذا عندي - واللّه الموفق للصواب - أنّ من كان الخير أغلب عليه من الشرّ ، وكان متنزّها عن الكبائر ، فواجب أن تعمل شهادته ؛ فإنّ اللّه تعالى قد أخبرنا بنصّ الكتاب أنّ : مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ « 1 » . وقال في موضع آخر : فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * « 2 » فمن ثقلت موازين حسناته بشيء ، لم يدخل النار ؛ ومن استوت حسناته وسيّئاته ، لم يدخل الجنّة في زمرة الداخلين أوّلا ؛ وهم أصحاب الأعراف ، فذلك عقوبة لهم ، إذ تخلّفوا أن تزيد حسناتهم على سيّآتهم ، فهذا حكم اللّه في عباده . ونحن إنما كلفنا الحكم بالظاهر ؛ فمن ظهر لنا أنّ خيره أغلب عليه من شرّه ، حكمنا له بحكم اللّه بعباده ؛ ولم نطلب له على الباطن . ولا كلفه محمد صلّى اللّه عليه وسلم فقد ثبت عنه أنه قال : إنما أنا بشر ، وأنتم تختصمون إليّ ؛ ولقلّ بعضكم أن يكون ألحق بحجّته من بعض ؛ فأحكم له على نحو ما أسمع بأحكام الدنيا على ما ظهر ، وأحكام الآخرة على ما بطن ؛ لأنّ اللّه تعالى يعلم الظاهر والباطن ، ونحن لا نعلم إلا الظاهر . ولأهل كلّ بلد قوم قد تراضى عليهم عامّتهم ؛ فبهم تنعقد مناكحهم وبيوعهم ؛ وقد قدّموهم في مساجدهم ، ولجمعهم وأعيادهم ؛ فالواجب على من استقضى في موضع ، أن يقبل شهادة أماثلهم ، وفقهائهم وأصحاب صلواتهم ، وإلّا ضاعت حقوق ضعيفهم وقويّهم ، وبطلت أحكامهم . ويجب عليه أن يسأل إن استراب في بعضهم في الظاهر والباطن عنهم ؛ فمن لم يثبت عنده عليه اشتهار في كبيرة ، فهو على عدالة ظاهرة ، حتى يثبت غير ذلك . انتهى . وسمّاه محمد بن حسين الزّبيديّ في مصنّفه في « طبقات النحويّين واللّغويّين » ؛ فقال : أبو الحكم منذر بن سعيد القاضي ، سمع بالأندلس من عبيد اللّه بن يحيى ونظرائه ، ثمّ رحل حاجّا سنة 308 ؛ فسمع بمكّة من محمد النيسابوريّ كتابه المؤلّف في اختلاف العلماء المسمّى ب « الأشراف » . وروى بمصر « كتاب العين » للخليل ، عن أبي العبّاس بن ولّاد ، وعن أبي جعفر بن النحّاس . وكان متفنّنا في ضروب العلم .
--> ( 1 ) سورة القارعة 101 ، الآيتان : 6 ، 7 . ( 2 ) سورة الأعراف 7 ، الآية : 8 ؛ سورة المؤمنون : 23 ، الآية 102 ، سورة الحشر 59 ، الآية 9 ؛ سورة التغابن 64 ، الآية 16 .