ابن كثير

681

طبقات الشافعية

وفي سنة ثمان وسبعين عبر الفرات وفتح حرّان وسروج والرّها والرقّة والبيرة وسنجار ونصيبين وآمد وحاصر الموصل وملك حلب وتسلّم البوازيج وشهرزور ، وفي سنة ثلاث وثمانين فتح طبريّة ، ونازل عسقلان وكسر فيها الفرنج كسرة عظيمة على حطّين ، وأخذ صليبهم الأعظم عندهم وكان الفرنج أربعين ألفا فقتل من نجا منهم ، وقتل الرّئيس صاحب الكرك بيده لأجل ما سبق منه من السبّ للجناب النبويّ ، وأوقعه اللّه في أسر صلاح الدّين وكان قد نذر قتله ، فأمكنه اللّه منه ، وسار فأخذ بيروت وعكّا وقلعة كوكب والسّواحل ، وسار فأخذ القدس يوم الجمعة ، فكان يوما مشهودا عظيما عمريّ المعنى ، وكان أخذه إيّاها صلحا بعد قتال ليس بشديد ، وكان هذا الفتح من أكبر سعاداته الدّنيويّة والأخرويّة ، وصار علما عليه ، لا يعرف ولا يتميّز إلّا به ، ويا حبّذا يقال صلاح الدّين الذي فتح القدس . ومن فتوحاته أيضا الكرك ونابلس وصيدا وحصون كثيرة يطول ذكرها ، ثمّ تمالت ملّة الفرنج على صلاح الدّين انتصارا لصليبهم الأصغر ، وجاءوا فحاصروا عكّا ، وجاء صلاح الدّين لاستنقاذها ، فحصرهم وحاصروا البلد وكبّر المسلمون . وجرت له خطوب وحروب يطول ذكرها ، وقد أحسن إيرادها الشّيخ شهاب الدّين في الرّوضتين ، فمكث كذلك قريبا من ثلاث سنين ، إلى أن عيل صبره رحمه اللّه ، ثمّ استمرّت يد الفرنج عليها ففتحوها في يوم جمعة ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . فرجع صلاح الدّين إلى دمشق كئيبا ، ومرض فقصده من لا خبرة له ، فلم يستمرّ في مرضه سوى أربعة أيّام حتّى مات رحمه اللّه بعد صلاة الصّبح من يوم الأربعاء السّابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بقلعة الجبل ، وكان يوما عظيما على المسلمين ، كثر فيه البكاء والعويل والضّجيج ، وبكاه أهل الأقاليم والآفاق حتّى بكته الفرنج لحسن وفائه وصدق عهوده رحمه اللّه ، فغسله الدّولعي ، وأخرج في تابوت ، وصلّى عليه القاضي محيي الدّين ابن الزّكي ، وأعيد إلى الدّار التي في البستان التي كان متمرّضا فيها ودفن في الضّفّة الغربيّة منها ثمّ بني ولده الملك الأفضل علي صاحب دمشق له قبّة شمالي جامع دمشق ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين ومشى بين تابوته ، وأراد العلماء حمله فقال : يكفيه منكم الدّعاء ، فصلّى عليه عند باب النّسر القاضي محيي الدّين أيضا بإذن ولده السّلطان الملك الأفضل ، ودخل ولده للحده ، وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيّام .