ابن كثير

674

طبقات الشافعية

العيش يابسا في الدّين ، وكان يقول : أصعد إلى مصر وأزيل ملك ابن عبيد اليهودي فلمّا صعد أسد الدّين منعه ونزل بمسجد ، وصرح بثلث أهل القصر وجعل لشيخه منهم فحاروا فيه ، وأرسلوا إليه بمال عظيم نحوا من أربعة آلاف دينار ، فردّ الذي جاءوا به في سرجيّة وصرفه ، وما ازداد إلّا شدّة وغلظة ، وهو الذي جرّأ صلاح الدّين على الخطبة لبني العبّاس فانتظم ذلك وللّه الحمد ، وذكر أنّ الملك صلاح الدّين كان شديد التّعظيم له ، وأنّه كان يأمره وينهاه بعنف ولا يباليه ، حتّى إنّه كان يزوره ويعظّمه . وقد زار القاضي الفاضل الشّافعي مرّة ، فوجد الخبوشاني في الدّرس ، فجلس معه على سرير التّدريس ، وكان صبيّا ، فاستدبر القاضي الفاضل ببعض يديه فصاح به قم ، قم استدبرت الإمام ، فقال القاضي الفاضل : أنا وإن استدبرته بقالبي فإنّي مستقبل له بقلبي ، فقال : قم قم ما تعبّدنا بهذا ، فقام خجلا وهو لا يعقل . وذكر أنّ الملك العزيز ابن النّاصر صلاح الدّين زاره فصافحه ثمّ استدعى بماء ليغسل يده من مصافحته ، وقال : لعلّ غلمانك لا يحترزون من صيانة اللّجام من البول والنّجاسة ، فقال له الملك : فاغسل وجهك أيضا فإنّك مسحته بيدك ففعل أيضا فغسل يديه ووجهه ، ولهذا كان إذا ركب حماره يوطّى تحته بأكسية كثيرة حتّى لا يناله منه عرق ولا شيء . وكان إذا مرّ به راكب ضربه حتّى ينزل فكانوا يتحامونه ، حتّى إنّه مرّ به الطّبيب المعروف بابن شوعة فتحامق الطّبيب أن ينزل فضربه الشّيخ بالمقرعة فأبدر عينه وذهبت هدرا ، وكان مع هذه الشدّة والقوّة في غاية الصّلابة والتقشّف والزّهد والورع ، لم يأكل من مال الملوك لقمة ، ولا أخذ من ريع المدرسة فلسا ولا جامكيّة « 65 » ولا شيئا ، ولكن كان من أهل بلده تاجر بمصر ، فكان يأكل من ماله ، وكان قليل الرّزق . ولمّا توفّي في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، كفّن في كسائه الذي جاء به من خبوشان .

--> السّميساطي ، متقدّما في علم الهيئة والهندسة ، مطّلعا على علوم الشّريعة وعلى أقاويل الأوائل ، توفّي سنة 453 ه ، ودفن في الخانقاه المذكورة . ( 65 ) الجامكية ، هي المرتّب الحكومي .