ابن كثير

55

طبقات الشافعية

إليه إدريس بن يحيى الغافري : إنّك لست من رجال البلاء فسل اللّه العافية . وكان كثير الصّلاة باللّيل ، كان قد قسم اللّيل ثلاثة أجزاء ، فثلثه الأوّل للاشتغال ، والثّاني للصّلاة ، والثّالث ينامه ليقوم إلى صلاة الفجر نشيطا رحمه اللّه ، رواه البيهقي عن الحاكم حدّثني أبو بكر محمّد بن محمّد البغدادي حدّثنا أبو الحسن علي بن قريب عن الرّبيع فذكره . وقال زكريّاء السّاجي عن محمّد بن إسماعيل حدّثنا حسين الكرابيسي قال : بتّ مع الشّافعي فكان يصلّي نحو ثلث اللّيل ، وما رأيته يزيد عن خمسين آية . فإذا أكثر فمائة ، وكان لا يمرّ بآية رحمة إلّا سأل اللّه لنفسه وللمؤمنين أجمعين ، ولا يمرّ بآية عذاب إلّا تعوّذ باللّه منه ، وسأل النّجاة لنفسه ولجميع المؤمنين ، فكأنّما جمع له الرّجاء والرّهبة ، قلت : هذا يكون تمام العبادة أن يجمع الرّهبة والرّغبة ، كما صحّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّه كان إذا مرّ بآية رحمة وقف فسأل اللّه ، وإذا مرّ بآية عذاب وقف وتعوّذ ، وقال اللّه تعالى : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ « 38 » ، فلهذا استحبّ أصحابنا هذا الصّنيع في جميع الصّلوات للإمام والمأموم والمنفرد ، وكان ذا همّة عالية وقدرة بليغة وعبارة وسيعة في حال المناظرة . قال بعض من وصفه : لو شاء أن يقيم دليلا على هذه السّارية أنّها خشب لفعل ذلك . وقال محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم « 39 » : لو رأيت الشّافعي يناظرك لظننت أنّه سبع يأكلك . قال : كنت إذا رأيت من يناظر الشّافعي رحمته . وقال أيضا : الشّافعي علّم النّاس الحجج ، وقد صحّ عنه من غير وجه أنّه قال : ما ناظرت أحدا على الغلبة . وقال أيضا : ما عرضت الحجّة على أحد فقبلها إلّا عظم في عيني ، ولا عرضتها على أحد فردّها إلّا سقط من عيني . وقال الرّبيع فيما رواه ابن عساكر بسنده عنه : سئل الشّافعي عن مسألة

--> ( 38 ) الآية 9 سورة الزّمر . ( 39 ) أبو عبد اللّه ، محدّث حافظ فقيه على مذهب مالك ، وتفقّه بالشّافعي توفّي سنة 268 ه . كحالة 10 / 222 .