ابن كثير

47

طبقات الشافعية

العراق ولا يأخذون بها لما بلغهم من مساهلة بعضهم في الرّواية ، فلمّا قام بعلم حديثهم ومعرفة رواته حفّاظهم وميّزوا صحيح الحديث من سقيمه أخذ الشّافعي ما صحّ من ذلك ، وكان أحمد بن حنبل من أهل العراق ، وكان عرف من أحوال رواتهم ما عساه يخفى على علماء الحجاز من ذلك فرجع الشّافعي إليه في معرفة أحوال رواة الحديث من أهل العراق ، ثمّ كان الشّافعي أعرف منه بأحوال رواة الحجاز ، وذلك بيّن في مذاكرتهما ، انتهى كلامه في أصول العقائد . قال الإمام أحمد بن حنبل : كان الشّافعي إذا ثبت عنده الحديث قلّده وخير خصائله لم يكن يشتهي الكلام إنّما همته الفقه . وقال ابن أبي حاتم : سمعت الرّبيع قال : أخبرني من سمع الشّافعي يقول : لئن يلقى اللّه المرء بكلّ ذنب ما خلا الشّرك باللّه خير من أن يلقاه بشيء من الأهواء . ورواه غير واحد عن الرّبيع أنّه سمع الشّافعي يقول ذلك ، وقال محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : سمعت الشّافعي يقول : لو علم النّاس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه كما يفرّون من الأسد . وقال أبو ثور وغير واحد عن الشّافعي رضي اللّه عنه أنّه قال : حكمي في أصحاب الكلام أن يطاف بهم في القبائل وينادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة وأقبل على الكلام . وقال أبو نعيم بن عدي وغيره قال داود بن سليمان عن الحسن بن علي : سمع الشّافعي يقول : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في . . . وقال البويطي : سمعت الشّافعي يقول : عليكم بأصحاب الحديث فإنّهم أكثر النّاس صوابا . وعن الشّافعي قال : إذا رأيت رجلا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جزاهم اللّه خيرا حفظوا لنا الأصل ، فلهم علينا الفضل . وقال محمّد بن إسماعيل : سمعت الحسين بن علي الكرابيسي يقول : قال الشّافعي : كلّ من يتكلّم على الكتاب والسنّة فهو الجدّ وما سواه فهو هذيان ، وعن الشّافعي رضي اللّه عنه أنشد « 26 » : كلّ العلوم سوى القرآن مشغلة * إلّا الحديث وإلّا الفقه في الدّين العلم ما كان فيه قال حدّثنا * وما سوى ذاك وسواس الشّياطين وقال ابن خزيمة « 27 » : سمعت الرّبيع يقول : لمّا كلّم الشّافعي حفصا الفرد ،

--> ( 26 ) الدّيوان ص 28 . . ( 27 ) يذكر في الطّبقة الثّالثة المرتبة الأولى .