عبد الرحيم الأسنوي
171
طبقات الشافعية
ذا حرمة وافرة وحشمة ظاهرة ، مترفعا عن الدخول على الملوك مع سؤالهم له ، ولا يقبّل يد السلطان إذا اتفقت له ولاية ، بل يصافحه ، وكانت أكابر الأمراء من الدولة السلطانية تتصاغر عنده ، ولا يجلسون إلا بين يديه حتى قال في حقه السلطان ابن قلاوون : « لا أعرف في مملكتي مثله » . وكان أجمع من رأيناه للعلوم مع الاتساع فيها ، خصوصا العلوم العقلية واللغوية لا يشار بها إلا إليه ، ولا يجال فيها إلا عليه . ولد بقونية من بلاد الروم ، سنة ثمان وستين وستمائة ، واشتغل ببلده ، ثم قدم دمشق في أول سنة ثلاث وتسعين ، وعمره نحو خمس وعشرين سنة ، فسمع بها ، ودرّس بالإقبالية ، وانتصب للإفادة ، فلم يجد سوق فضله بالشام نفاقا ، ولا رزق غيره علمه بها انفاقا ، وكان من عقلاء الرجال ، والقليلي الأمثال ، فاختار مدينة يبرز الأمر منها ، على مدينة يبرز الأمر إليها فتوجه إلى الديار المصرية وقدم عليها ، وألقى عصاه بمحط الركبان ، ومرسى الفلك واستقر بعد نواه بحرم الإمامة ودار الملك . وكان قدومه إلى القاهرة في سنة سبعمائة ، فسمع بها من الشيخ شرف الدين الدّمياطي ، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ، ولازمه وقرأ عليه في شرحه للإمام ، وكتب له الشيخ ، وأثنى عليه ثناء بالغا ، مع شدة احترازه في الألفاظ ، وتولّى لتدريس المدرسة الشريفية ، ومشيخة الشيوخ ، ومشيخة الميعاد بالجامع الطولوني وانتصب للاشتغال بجدّ واجتهاد وملازمة ، وازدحمت عليه الناس إلى أن تخرّج به أكثر علماء الديار المصرية من الطوائف كلها . وصنّف الشرح المشهور على « الحاوي » ولخّص كتاب « المنهاج » للحليمي ، وانتهت إليه رئاسة العلم وافتخر به عصره ، ولم يزل كذلك ، إلى أن تحيل عليه جماعة من الكبار في بعده عن الديار المصرية لأغراض ، فحسّنوا للسلطان الملك الناصر توليته للشام ، بعد انتقال القاضي جلال الدين القزويني منها إلى الديار المصرية فسأله في ذلك سؤالا كثيرا ، متلطّفا في القول ، فكان من جملة ما اعتذر به كما سمعته ، يحكى أن قال : لي أطفال ينادون بالحركة ، فبسط السلطان يديه ، وقال : أحملهم على كفوفي إلى الشام ، فعند ذلك اضطر إلى القبول استحياء وانتقالا إلى