عبد الرحيم الأسنوي

112

طبقات الشافعية

وكان الإمام في الظاهر ، يظهر التبجح به ، وفي الباطن عنده منه شئ ، لما يصدر منه من سرعة العبارة وقوة الطبع ، وينسب إليه تصنيفان ليسأله بل وضعا عليه وهما « السر المكتوم » و « المضنون به على غير أهله » . وينسب إليه أيضا شعر ، فمن ذلك ما نسبه إليه ابن السمعاني في « الذيل ، والعماد الأصبهاني في « الخريدة » : حلّت عقارب صدغه في خده * قمرا فجلّ به عن التشبيه ولقد عهدناه يحلّ ببرجها * فمن العجائب كيف حلّت فيه وأنشد العماد له أيضا : هبني صبوت كما ترون بزعمكم * وحظيت منه بلثم خد أزهر إني اعتزلت فلا تلوموا أنه * أضحى يقابلني بوجه أشعري فلما مات إمامه خرج إلى المعسكر وحضر مجلس نظام الملك ، وكان مجلسه محطّ الرّحال العلماء ، ومقصد الأئمة والفصحاء ، فوقع للغزالي أمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة ومجازاة الخصوم اللّد ، ومناظرة الفحول ومناطحة الكبار فأقبل عليه نظام الملك وحلّ منه محلا عظيما ، فعظمت منزلته وطار اسمه في الآفاق ، وندب للتدريس بنظاميّة بغداد ، سنة أربع وثمانين فقدمها في تجمّل كبير ، وتلقاه الناس ، ونفذت كلمته ، وعظمت حشمته حتى غلبت على حشمة الأمراء والوزراء ، وضرب به الأمثال وشدّت إليه الرحال إلى أن شرفت نفسه على رذائل الدنيا فرفضها وأطرّحها وأقبل على العبادة والسياحة ، فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين ، بمنارة الجامع ، وصنّف فيها كتبا يقال : ان « الاحياء » منها ، ثم صار إلى القدس والإسكندرية ، ثم عاد إلى وطنه بطوس ، مقبلا على التصنيف ، والعبادة ، وملازمة التّلاوة ، ونشر العلم وعدم مخالطة الناس ، ثم إن الوزير فخر الملك ابن نظام الملك حضر إليه وخطبه إلى نظاميّب نيسابور ، وألح عليه كل الإلحاح فأجاب إلى ذلك وأقام عليه مدة ، ثم تركه وعاد إلى وطنه ، على ما كان