خليل الصفدي
256
تحفة ذوي الألباب فيمن حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب
وتضايق المعتمد ؟ فقال : فكيف أعمل وقد أمرت بها ولست أرجع ؟ فقلت : اجعلها مائة ألف درهم ، فقال : أطلقها له معجّلة ، يعني الدّراهم ، وابسط الباقي له في كلّ سنة شيئا ، يعني الذهب . وكان يوما على نهر ثورا « 1 » بدمشق يتصيّد ، فانحدر من [ 91 جهنىّ ] الجبل أعرابي عليه كساء ، فأخذ بكشيمة لجامه وهو منفرد وعلى يده بازي . فنفر البازي ، فصاح به الغلمان فقال : دعوه . فقال الأعرابي : إنّ السّنان وحدّ السّيف لو نطقا * لحدّثا عنك بين الناس بالعجب أفنيت مالك تعطيه وتنفقه « 2 » * يا آفة الفضة البيضاء والذّهب فالتفت أبو الجيش إلى الغلام الذي معه خريطة النفقة « 3 » ، وكان رسمها خمسمائة دينار ، ففرّغها في كسائه ، فقال : أيّها الملك زدني ، فالتفت إلى الغلمان فقال لهم : اطرحوا سيوفكم ومناطقكم « 4 » . فطرحوها عليه . فقال : أيها الملك ، أثقلتني . فقال : أعطوه بغلا يحمل ذلك عليه . ولما عاد إلى منزله أعطى لكلّ من أعطى الأعرابي سيفا ومنطقة من ذهب « 5 » .
--> تاريخ ابن عساكر 4 / 282 ) . ( 1 ) نهر ثورا : أحد فروع نهر بردى الذي يخترق دمشق ، يتفرع منه قبيل دخوله دمشق بنحو 5 كم عن يساره ، ويسير في لحف الجبل ، ويخترق شارع المالكي فالجسر الأبيض ، فمنطقة شمالي حي التجارة حتى يسقي قسما من أراضي جوبر . شقه الآراميون ، ويسمى اليوم ( تورا ) وقد اختلف في تسميته فقيل : سمي باسم أمير اسمه ثورا كان قبل الإسلام ، وقال آخرون إن ثورا أحد ملوك المسلمين وهو غلط . ووصفه القلقشندي بأنه نيل دمشق ، وعليه مبانيها وأكثر متنزهاتها ، من يراه يخاله زمردة خضراء لالتفاف الأشجار عليه ( خطط دمشق 2 / 29 - 32 والمختار من صبح الأعشى 5 / 18 ) . ( 2 ) الخبر في تاريخ ابن عساكر 5 / 177 وفيه : « أفنيت مالك تعطيه وتنهبه . . . » . ( 3 ) الخريطة : وعاء من جلد أو نحوه يشد على ما فيه من أموال للإنفاق ( اللسان ) . ( 4 ) المناطق : مفردها ( منطقة ) بكسر الميم . وهي ما يتمنطق به : أي - يجعل نطاقا يشد به الوسط . ( 5 ) انظر تاريخ ابن عساكر 5 / 177 .