خليل الصفدي

369

أعيان العصر وأعوان النصر

بهم إلى حمص وجدّوا ، وكان العرب قد أنكوه ، ومنعوا منه الماء ، واقتطعوا بعض نقله ، وجدّ في طلبه سلار بن تتر البدوي وأخوه بريد ، ومنعوه النوم والقرار ، وكلّ هو ومن معه ، وملّوا من حمل السلاح ليلا ونهارا ، وحمي الحديد عليهم ، وعاينوا الهلاك ، واختلف مماليكه عليه ، فقال لهم : باللّه وسّطوني ، أو اضربوا عنقي ، كل هذا وهم ما بين القريتين إلى أمهين وصدد ، ولما سمعت ذلك قلت : ( الطويل ) تفرّق شمل السّعد عن يلبغا وقد * بغا وغدا في عكسه متورّطا فقال له السّيف الّذي شدّ وسطه * وقد بالغ الأعراب في الجور والسّطا تلذّذ بقتل فيه للنّفس راحة * وإن رمت أهنى العيش فيه توسّطا وقال له مماليكه : أنت قلت لنا إن نائب حماة معك توجّه بنا إليه ، فلم ير إلا المطاوعة ، فعبر على ظاهر حمص ، وتوجّه إلى حماة ، فخرج إليه الأمير سيف الدين قلطيجا الحموي النائب بحماه ، فتلقّاه ودخل به إلى حماة ، ثم إنه أمسكه ، وأمسك والده وأخويه قراكز ، وأسندمر ، وعزّ الدين طقطاي الدوادار ، وسيف الدين جوبان ، وقلاوون ، ومحمّد بن جمق وقيّدهم ، وجهّز سيوفهم إلى السلطان . ثم بعد ذلك جهّز الأمير سيف يلبغا ووالده مقيّدين إلى مصر ، فلما وصلا إلى قاقون تلقّاهما الأمير سيف الدين منجك ، فأطلعه إلى قلعة قاقون هو ووالده ، وحبسهما في بيتين منفردين ، ثم أنزل والده من قلعة قاقون ، وجهّز وحده على البريد إلى السلطان ، وطلع إلى الأمير سيف الدين يلبغا مشاعليّان ، فأحسّ بذلك ، وسألهما الوضوء وصلاة ركعتين ، ولما فرغ من ذلك قال لهما : باللّه هوّناها عليّ ، فقالا له : يا خوند ، إن أردت ذلك فدعنا ندير كتافك ، فمكّنهما من نفسه وخنقاه ، فسمع الناس شهقته من أسفل القلعة ، ثم إنه حزّ رأسه ، وجعل في عسل ، وجهّز إلى باب السلطان ، ثم دفنت جثته بقاقون - رحمه اللّه تعالى ، وسامحه وعفا عنه - ، وذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى في السنة المذكورة . وقلت أنا في ذلك : ( الخفيف ) إنّ في يلبغا لكلّ لبيب * عبرة أصبحت على الدّهر تتلى ما يساوي العزّ الّذي قد رآه * في دمشق بذل قاقون أصلا وقلت أيضا : ( الطويل ) ألا إنّما الدّنيا غرور وباطل * فطوبى لمن كفّاه منها تفرّغا وما عجبي إلا لمن بات واثقا * بأيّام دهر ما رعت عهد يلبغا ثم إن الأمير سيف الدين منجك وصل إلى حماة ، وجهّز إخوة يلبغا ، وجماعته الذي