خليل الصفدي
367
أعيان العصر وأعوان النصر
حكى لي الحاج حسين أستاذداره قال : جرى يوما بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار ، فقال يلبغا : واللّه يا خوند ، أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار ، فلما خرج من عنده طلب القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص ، وقال : أحضر إليّ الساعة خمسة وعشرين ألف دينار ، وخمسة تشاريف أطلس أحمر وطرزها ، وكلوتاتها وحوائصها ، فلما حضر ذلك قال : احمل التشاريف إلى عند يلبغا ، وقل له : إذا جاء الجمدارية بالذهب اخلع عليهم التشاريف ، وطلب خمسة جمدارية ، وحمّل كل واحد منهم خمسة آلاف دينار ، وقال : توجّهوا بهذا الذهب إلى يلبغا فأحضروها ، وخلع هو عليهم تلك الخلع ، وبنى له الإصطبل الذي في سوق الخيل تحت القلعة ظاهر القاهرة ، ولم يعمّر قبله مثله ، وأنفق عليه ما لا يعلمه إلا اللّه - تعالى - ، وكان يهندس الصنّاع فيه بنفسه ، ولما فرغ مدّ فيه سماطا عظيما ، وخلع على أمراء الدولة تشاريف وخيولا ، وبالجملة فكانت إنعاماته عليه ، وإطلاقاته له خارجة عن الحد . وكان هو والأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي قد توليا تمريض السلطان لما مات ، ثم إن يلبغا سأل في أيام الصالح إسماعيل أن يكون نائب حماة ، فأجيب إلى ذلك ، وجاء إليه ؛ عوضا عن الأمير علاء الدين الطنبغا المارداني ، وتوجّه المارداني إلى نيابة حلب ؛ عوضا عن الأمير سيف الدين طقزتمر ، وجاء طقزتمر إلى نيابة دمشق ، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . ولما مات الأمير علاء الدين الطنبغا المارداني في حلب رسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة حلب ، ولما ملك الملك الكامل طلب طقزتمر من دمشق إلى مصر ؛ ليكون لها نائبا ، ورسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة دمشق ، فدخل إليها يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبعمائة ، وتوجّه الأمير سيف الدين أرقطاي إلى حلب نائبا ، وأقام يلبغا اليحيوي على حاله بدمشق ، وأرجف الناس كثيرا بأن الملك الكامل يريد إمساك يلبغا ، وذلك بعد إمساك الأمير سيف الدين آل ملك ، وسيف الدين قماري ، فاستوحش الأمير سيف الدين يلبغا من ذلك ، وبرّز إلى الجسورة بظاهر دمشق في الخامس عشر من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبعمائة . وأقام هناك أياما ، وحضر إليه الأمير حسام الدين البشمقدار نائب حمص ، والأمير سيف الدين آراق نائب صفد ، والأمير سيف الدين أسندمر نائب حماة ، والأمير بيدمر البدري نائب طرابلس ، واجتمع الكل عنده بظاهر دمشق ، وعسكر دمشق جميعه ، واجتمعوا وأجمعوا على خلع الكامل ، وظاهروه بالخروج عليه ، وكتبوا إليه مطالعة بذلك ، فكان ما كان من أمر الكامل - على ما مرّ ذكره في ترجمته - .