خليل الصفدي

364

أعيان العصر وأعوان النصر

كان رئيسا نبيلا ، سؤسا جليلا ، سمح اليد لا يبالي بما وهب ، ولا يفكر في الدهر أنام عنه أم تيقّظ له وهب ، يتلقّى الواردين عليه بالإحسان ، ويكرمهم بكرامتي اليد واللسان . وكان يخدم الأمير سيف الدين تنكز وحاشيته ، وجماعته وحاشيته ، وكان يرعاه إذا ورد من دمشق أو صدر ، ويكرم نزله إذا صعد أو انحدر . وقضى في حلب سعادة عظمى ، وأياما نظمها الدهر في سلك السرور نظما ، وتنقّل منها إلى بلد طرابلس مرات ، والتقى من حروب الزمان كرّات ، وطلب إلى مصر غير مرة ، وعاد منها ووجوه عداه مغبرّة : ( الطويل ) يلاقي العدا بالقصم والوفد بالغنى * وحسّاده بالكبت والدّاء بالحسم خبير بأخلاق الزّمان يروضها * بلين الهوينى أو بعارضة الحزم وكان يحب الفضلاء ، ويقرّب النبلاء . ولم يزل على حاله إلى أن جفّت مواد لهواته ، وأكمل مدة حياته ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في إحدى الجماديين سنة تسع وعشرين وسبعمائة بحماه . كان أولا مباشرا نظر الجيش بحلب قبل عود الناصر من الكرك إلى دمشق ، ثم إنه توجّه إلى طرابلس سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، ثم إنه تولى نظر حلب ، فأقام بها في سعادة ، ورياسة وسيادة ، إلى أن عزل في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة . وتوجّه إلى نظر طرابلس ، فأقام بها إلى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، ثم إنه عاد إلى نظر حلب ، ثم إنه نقل إلى نظر طرابلس ، فأقام بها دون السنة ، ومرض وتعلّل ، فتوجّه إلى حماة ؛ ليتداوى بها ، وأقام بها مدة عليلا ، وكان صاحب حماة الملك المؤيد يعوده ، ويزوره ويصله ، ولما مات مشى في جنازته ، وكان يخدمه لما عليه من الخدمة والمكارمة . وفيه يقول جمال الدين بن نباتة : ( الرمل ) قالت العليا لمن حولها * سبق الصّاحب واحتل ذراها فدعوا كسب المعالي إنّها * حاجة في نفس يعقوب قضاها وكتب إليه شهاب الدين أحمد بن المهاجر « 1 » ، يهنّيه بقدومه إلى حلب بعد القاضي جمال الدين بن ريّان ، ومن خطه نقلت : ( البسيط ) أبدت سرورا وهذا بعض ما يجب * وكيف لا وقدوم الصّاحب السّبب وأسفرت من محيّا البشر عن حسن * له إذا ما انتهى من وصفه حسب

--> ( 1 ) أورد المصنف له ترجمة في موضعها .