خليل الصفدي
335
أعيان العصر وأعوان النصر
الميم . كان فاضلا أديبا ، عاقلا لبيبا ، ذا حافظة وذاكرة ونظم ، كثّر الاستحسان له شاكره ، عارفا بوقائع الناس وأيامهم ، وتراجم أعيانهم وأعلامهم ، يسرد من ذلك ألوفا ، ويقول لسان حاله : خلقت لذا ألوفا آية في الحافظة عجيبة ، متى دعاها إلى شيء كانت له مجيبة ، قد أتقن القلمين إنشاء وحسابا ، وبلغ فيها الغايتين مآلا ومآبا ، وباشر الجيش شاما ومصرا ، ووهب اللّه بهيبته تأييدا ونصرا ، ودبّر فأقبل ما أدبر ، ورحّب المضائق بما نمقّ قلمه وحبّر : ( الكامل ) ورمى إلى الغرض البعيد بفكره * فأصاب حتف كوامن ودقائق يقظ لأعقاب الأمور مجرّب * طبّ بأدواء الممالك حاذق تنقل من الشام إلى مصر مرات ، ونال من السلطان مكارم ومبرّات . ولم يزل على حاله بمصر أخيرا إلى أن جمدت حواسه ، وخمدت أنفاسه ، ودفن بالقرافة في تربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش ، وكانت جنازة حافلة . ومولده سنة ست وستين وستمائة . وكان ينظم شعرا جيدا ، وليس له نثر جيد ، اللهم إلا إن ترسّل ، وكتب بلا سجع ، فإنه يأتي في ذلك بالمثل السائر والبيت المطبوع ، ويأتي بالشاهد على ما يحاوله ، وذلك في غاية البلاغة والفصاحة ، يوفي المقام في ذلك حقّه ، وكان عجبا في القوة الحافظة . كان في مبدأ أمره كاتبا في الدّباغة ، حتى إنه كتب إلى الأعسر ، أو لغيره من مشدّي دمشق ممن كان له الحكم في ذلك الوقت : ( الحفيف ) يا أميرا حاز الحيا والبلاغة * قتلتني روائح الدّباغه ثم إنه نقل إلى طرابلس ، وخدم في الجيش بها ، وكان يساعد ابن الذهبي كاتب الإنشاء بطرابلس فاشتهر ، وعرف بالأدب ، فأحبّه الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس ، ولم يزل إلى أن توجّه أسندمر مع السلطان الملك الناصر محمّد من دمشق إلى القاهرة سنة تسع وسبعمائة ، فسعى له عند السلطان إلى أن استخدمه بديوان الجيش بالديار المصرية . وكان قد حضر معين الدين إلى دمشق في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة ، وسبعمائة ناظر الجيش ؛ عوضا عن القاضي شمس الدين بن حميد « 1 » ، وأقام بدمشق ، إلى أن حضر القاضي قطب الدين من الديار المصرية ، فتوجّه القاضي معين الدين إلى مصر ، ولم يزل إلى
--> ( 1 ) سبقت ترجمته في موضعها من حرف الطاء .