خليل الصفدي

406

أعيان العصر وأعوان النصر

محمّد بن علي . قلت : لا أعلم في ذلك العصر أحدا يأتي بهذا الجواب غيره ؛ لمعرفته بدقائق النحو ، وبغوامض علمي المعاني والبيان ، ودربته بصناعة الإنشاء ، وأما صورة الخط الذي نقلت منه هذه الفتوى ، فما كانت إلا قطعة روض تدبّجت ، أو هوامش عذار على طرس الخد تخرجت ، رحمه اللّه وأكرم مثواه ، وجعل الجنة منقلبه وعقباه . ونقلت من كلامه تعليقا على قوله تعالى : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [ التوبة : 112 ] ، الآية : فإن قيل : كيف ترك العطف في جميع الصفات ، وعطف النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف بالواو ، قلت : للمفسرين والعلماء في الجواب عن هذا السؤال أقوال ، فمنها قولهم ؛ لأنها الصفة الثامنة فهي واو الثمانية ، وهذا في غاية السخافة ، منها أن هذا من التفنن في الكلام ، وهو جواب إقناعي ، ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، وهذا بعيد في الإعراب ومقصود الكلام ، ومنها أن هاتين الصفتين متعلقتان بالغير ، فاحتاجت إلى مزية ، وهو كالأجوبة التي قبله . قال : وعندي في هذا وجه حسن ، وهو أن الصفات تارة تنسق بحرف العطف ، وتارة تذكر بغيره ، لكل مقام معنى يناسبه ، فإذا كان المقام مقام تعداد صفات ، من غير نظر إلى جمع أو انفراد ، حسن إسقاط حرف العطف ، فإن أريد الجمع بين الصفتين ، أو التنبيه على تغايرهما ، عطف بالحرف أيضا ، وفي القرآن أمثلة تبيّن ذلك قال اللّه - تعالى - : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [ التحريم : 5 ] ، الآية ، فأتى بالواو بين الوصفين ؛ لأن المقصود بالصفات الأول ذكرها مجتمعة ، والواو قد توهم التنويع فحذف ، وأما الأبكار فلا يكن ثيبات ، والثيبات لا يكن أبكارا ، فأتي بالواو ؛ لتضاد النوعين ، وقال تعالى : حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [ غافر : 1 - 3 ] ، فأتى بالواو في الوصفين الأولين ، وحذفهما في الوصفين الآخرين ؛ لأن غفران الذنب قبل التوبة ، وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الواحد ؛ لتلازمهما ، فمن غفر الذنب قبل التوب ، فبيّن اللّه تعالى بعطف أحدهما على الآخر ، أنهما مفهومان متغايران ، ووصفان مختلفان ، يجب أن يعطى كل واحد حكمه ، وذلك مع العطف أبين وأرجح وأوضح ، وأما شديد العقاب وذو الطول فهما كالمتضادين ، فإن شدة العقاب تقتضي اتصال الضرر ، والاتصاف بالطول يقتضي اتصال النفع ، فحذف ؛ ليعرف أنهما مجتمعان في ذاته المقدسة ، موصوفا بهما على الاجتماع ، فهو في حال اتصافه بشديد العقاب ذو الطول ، فحسن ترك العطف لهذا المعنى . وفي هذه الآية التي نحن فيها يتضح معنى العطف ، وتركه مما ذكرناه ؛ لأن كل صفة