خليل الصفدي
401
أعيان العصر وأعوان النصر
وولي نظر ديوان الأفرم ثم بطله ، وولي نظر الخزانة ووكالة بيت المال ، وكتب في ديوان الإنشاء مدة ، ووقع في الدست قدّام الأفرم وغيره ، فكان لا يدع أحدا يتكلم لا من وزير ، ولا من قاض ، ولا من ناظر جيش ، ولا من حاجب ، ولا من كاتب سر ، ولا من مشد أوقاف ، ولا من والي المدينة ، ولا أحد له وظيفة ، وكلامه في جميع ذلك ساد واف بالمقاصد ، وكل ذلك لمعارفه وسعة علمه ، وخبرته ودربته ، ومعرفته بتراجم أهل العصر . وله الإنشاء الجيد ، ونثره خير من نظمه ، وله التواقيع الجيدة المليحة ، وكتب عن الأفرم في فتح ، ولما كان في شهر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة رسم له السلطان بقضاء حلب فامتنع ، ودخل على الأمير سيف الدين تنكز ، وسأله الإعفاء ، فكتب له إلى السلطان ، فجاء الجواب بالتشديد في أمره ، وتجهيزه قولا واحدا ، فتوجّه بعد ما قضى أشغاله من دمشق في الرابع عشر من شوال من السنة المذكورة ، وتأسّف الناس على فراقه . ولما دخل إلى حلب يوم الثلاثاء في السادس عشر من شعبان قال له نائب حلب : كانت قلوبنا قد انكسرت فجبرتها ، وقال : يا حلبيين لقد سعدتم ، وأراد اللّه بكم الخير ، والآن عظمت حلب بهذا الرجل ، ولما وصل إلى حلب نزل بمكان يعرف بالفردوس ، وكان قد توجّه معه شمس الدين محمّد الخياط الشاعر فأنشده ، وأنشدنيه من لفظه غير مرة : ( السريع ) يا حاكم الحكّام يا من به * قد شرفت رتبته الفاخره ومن سقى الشّهباء إذ حلّها * بحار علم ، وندى زاخره نزلت في الفردوس فأبشر به * دارك في الدّنيا ، وفي الآخرة وتألم أهل دمشق لفراقه ، وتأسّفوا على بعده ؛ لأنه كان للشافعية واسطة قلادتهم ، وشمس سيادتهم ، وأقام في حلب مدة ، وما رزق فيها سعادة ، وتعكس في أيام الأمير سيف الدين أرغون الدوادار ، وكان أصحب الناس إليه ، وذلك ؛ لأنه عبث باليهود عبثا عظيما ، وأخذ منهم كنيسة كانت لهم وفتحها مدرسة ، فتسلّطوا عليه ، وبرطلوا وبذلوا ، فنودي عليه في الجامع بعد صلاة الجمعة على رؤوس الأشهاد ، وقاسى من ذلك شدة وتألم . وطلبه السلطان بعد ذلك إلى الديار المصرية بعد ما وصل من حلب إلى دمشق في العاشر من شعبان سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، فأقام بدمشق أربعة أيام ، وتوجّه على البريد إلى القاهرة ؛ ليوليه قضاء الشام ، أو كتابة السر بمصر ، فقيل : إنه مات ، وهو مسموم ، وعند اللّه تجتمع الخصوم . على أن القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه حكى لي عن ولده تقي الدين : أن والده