خليل الصفدي

374

أعيان العصر وأعوان النصر

فهذا إنصاف وامتثال لما أمر اللّه به رسوله ، وربك بالمرصاد والشكوى إلى اللّه الحكم العدل » . فلم يلبث إلا أسبوعا أو أقل أو أكثر ، حتى قتل السلطان وحبس منكوتمر ، ثم أخرج من محبسه وذبح ، وكان من شدة وسواسه ما يجلس على جوخ ولا يقربه . وكان في بعض الأيام طلع إلى السلطان حسام الدين ، وهو جالس على طراحة جوخ ، فجلس معه عليها ، وقضى شغله ، وعاد إلى بيته ، ونزع كل ما عليه وغسله ، فقالوا له : يا سيدي لا كنت جلست عليها ، فقال : فكرت إن جلست دونه أكن قد أهنت منصب الشرع ، وهو أمر ما يزول ، فجلست معه وغسلت ما علي فزال . وقيل : إنه امتنع من أكل الحلوى ، فقيل له في ذلك ، فقال : لأني رأيت يوما بعض الصناع يحرك دست حلوى ، ثم إنه أراق ماء ولم يستنج ، وقيل : كان يغسل الحلوى ويأكلها . وكان قد عزل نفسه في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وستمائة ، ثم إنه أعيد إلى القضاء ، وخلع عليه ورسم له ، أن لا يستنيب ولده محب الدين . وعلى الجملة فكان امرأ غريبا ، قلّ أن ترى العيون مثله زهدا وورعا ، وتصميما وتحريا ، واجتهادا وعبادة ، وتوسّعا في العلوم : ( الكامل ) فهو الّذي نجح الزّمان بذكره * وتزيّنت بحديثه الأشعار وأما ما كان يقع في حقه من شيخنا العلامة أثير الدين ، فله سبب ، أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح اليعمري قال : كان الشيخ تقي الدين قد نزل عن تدريس مدرسة لولده ، أنسيت أنا اسم المدرسة واسم ابنه ، فلما حضر الشيخ أثير الدين درس قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز ، قرأ آية يدرس بها ذلك اليوم ، وهي قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ [ الأنعام : 140 ] ، الآية ، فبرز أبو حيان من الحلقة ، وقال : يا مولانا قاضي القضاة قدموا أولادهم ، يكرر ذلك ، فقال قاضي القضاة : ما معنى هذا ؟ فقال : ابن دقيق العيد نزل لولده فلان عن تدريس المدرسة الفلانية ، فنقل المجلس إلى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ، فقال : أما أبو حيان ففيه دعابة من أهل الأندلس ومجونهم ، وأما أنت يا قاضي القضاة يبدل القرآن في حضرتك ، وما تنكر هذا الأمر ، فما كان إلا قليل حتى عزل ابن بنت الأعز عن القضاء بابن دقيق العيد ، وكان إذا خلا شيء من الوظائف التي تليق بالشيخ أثير الدين يقول الناس : هذه لأبي حيان ، فتخرّج عنه لغيره ، فهذا هو السبب الموجب لحطه عليه وشناعته ، والصحيح أن أهل العصر لا يرجع إلى جرح بعضهم بعضا بهذه الواقعة وأمثالها : ( البسيط ) إنّ العرانين تلقاها محسّدة * ولا ترى للئام النّاس حسّادا