خليل الصفدي

372

أعيان العصر وأعوان النصر

هذا ، ثم عاد إليه ، فقال : هو خطي ، ولكن ما أحقق سماعي له ولا أذكره . أخبرني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال : حكى لي الشيخ قطب الدين السنباطي قال : بلغني أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قال : لكاتب الشمال عشرين سنة ، أو قال : سنين الشك مني أنا في روايتي عن شيخنا تقي الدين لم يكتب علي شيئا ، قال السنباطي : فاجتمعت به ، وقلت له : قال فلان عن مولانا كذا وكذا ، فقال : أظن ذلك ، أو كذلك يكون المسلم ، أو كما قال ، وكان يقول : ما تكلمت كلمة ولا فعلت فعلا ، إلا وأعددت له جوابا بين يدي اللّه تعالى . ولما جاءت التتار ورد مرسوم السلطان إلى مصر بجمع العلماء وقراءة البخاري ، فقرءوا البخاري إلى أن بقي ميعاد أخّروه ؛ ليختم يوم الجمعة ، فلما كان يوم الجمعة رئي الشيخ تقي الدين في الجامع ، فقال : ما فعلتم ببخاريكم ؟ فقالوا : بقي ميعاد ؛ ليكمل اليوم ، فقال : انفصل الحال من أمس العصر ، وبات المسلمون على كذا ، فقالوا : نخبر عنك قال : نعم ، فجاء الخبر بعد أيام بذلك ، وذلك في سنة ثمانين وستمائة على حمص ، ومقدم التتار منكوتمر ، وقال عن بعض الأمراء ، وقد خرج من القاهرة إنه ما يرجع فما رجع . وأساء شخص عليه الأدب ، فقال الشيخ : نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات ، فمات بعد ثلاثة أيام ، واستمع له بعض أصحابه ليلة ، وهو يقرأ قال : فوصل إلى قوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ [ المؤمنون : 101 ] ، فلا قلت : ويدل على ذلك تحرّيه في عدم الكلام ، وأنه كان بخيلا ، وشعره فيه أيضا ما يدل على ذلك . أنشدني الشيخ شمس الدين بن نباته المصري من لفظه ، قال : أنشدني الشيخ تقي الدين لنفسه : ( السريع ) الجسم تذيبه حقوق الخدمة * والنّفس هلكها علو الهمّه والعمر بذاك ينقضي في تعب * والرّاحة ماتت فعليها الرّحمه ومن العجيب ما نقلته أنا من بعض التعاليق ، أن هذين البيتين حفظهما تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقي الدين ، وكان فارضا عاقدا بالحسينية ، فاتفق أنه قال في وقت في الهاجرة بمسجد الجوادي ، فرأى في النوم والدهما الشيخ مجد الدين - رحمه اللّه تعالى - فسلّم عليه ، وسأله عن حاله ، فقال : يا سيدي بخير ، فقال : كيف محمّد أخوك ، قال : بخير والساعة كنت عنده ، وأنشدني هذين البيتين ، وأنشدهما فقال : سلّم عليه ، وقل له : الروح إلى محلها قد تاقت ، والنفس لها مع جسمها قد عاقت ، والقلب معذّب على جمعهم ، والصبر قضى ، وحيلتي قد ضاقت .