خليل الصفدي

361

أعيان العصر وأعوان النصر

وجامع الحاكم ، وكان وهو بدمشق قد عزل بقاضي القضاة شمس الدين الأذرعي ، وطلب للأذرعي توقيع شريف من الشام ، فلما كان في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعمائة ، وصل البريد من مصر ومعه توقيع ، فتوهّم البريدي أنه لقاضي القضاة ابن الحريري ، فتوجه به إليه ، وحضر أصحابه إليه للهناء به ، ففتح التوقيع وقرئ ، ولما وصل القارئ إلى الاسم وجده غيره ، فطوى التوقيع ، وحصل لقاضي القضاة خجل من هذا الأمر ، وكانت هذه واقعة غريبة . ولما أقام بمصر قاضيا كان لبكتمر الساقي إصطبل بأرض بركة الفيل لورثة الملك الظاهر وقفا ، فتعرّض إليهم ، وقال : هذه الأرض زادت معكم ، فتوجّه وكيل بيت المال ونائب الحكم ؛ لقياس الأرض ، فما زادت شيئا ، ثم أرسلوهم مرة أخرى ، وتحيّلوا على الزيادة ، وقالوا : أعطونا أرض الإصطبل بالزيادة ، فقالوا : نحن نشهد علينا بقبض الأجرة ونعوض فقيل للسلطان : في مذهب أبي حنيفة يجوز التعويض ، فقال لابن الحرير عن ذلك ، فقال : هذا رواية عن أبي يوسف وحده ، وما أعمل بها ، فولى السلطان القاضي سراج الدين عمر صهر القاضي السروجي قاضيا ، وعزل ابن الحريري ، وحكم سراج الدين بذلك ، وبقي على القضاء مدة يسيرة ، ثم مات ، وأعيد ابن الحريري ، وعظمت مكانته . وكان فقيها جيدا ، له محفوظات جيدة ، ودرس بعدة مدارس ، وأفتى وشغل الطلبة ، وولي قضاء دمشق مدة سنتين ، وانفصل منه ، ثم طلب لقضاء مصر ، وكان موصوفا بالنزاهة ، لا يقبل لأحد هدية ، وكان له حرص على خلاص الحقوق وفصل القضايا ، وصحبته جيدة ، ومودته أكيدة تنفع أصحابه ، وكانت جنازته حافلة ، وعمل عزاؤه بالجامع الأموي ، وكان قد سمع الحديث على النجيب المقداد ، وابن علان وغيرهم ، وحدّث بدمشق والقاهرة ، قال شيخنا علم الدين البرزالي : وخرّجت له جزءا عن عشرة من الشيوخ ، قرئ عليه غير مرة . وفي قاضي القضاة شمس الدين الحريري يقول شمس الدين الباذرائي « 1 » : ( الرجز ) مذ أسلمتني عين أمّ سالم * إلى الرّدى يئست من مسالمي وكلّما قلّ نصيبي عندها * تكاثرت في حبّها لوائمي يا مقلتيّ أنتما نعمتما * والقلب يشقى ، وهو غير جارم جنيتما الذّنب فلا أقلّ من * أن تبكيا قلبي بدمع ساجم

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها .