خليل الصفدي
325
أعيان العصر وأعوان النصر
بالهند . وكان له جدّ لأمه فاضل من أهل العلم ، هو شيخه قرأ عليه ، ومات سنة ستين وستمائة ، وخرج من دلهي البلد المشهور بالهند في شهر رجب سنة سبع وستين وستمائة ، ودخل اليمن ، وأقام بمكة نحوا من ثلاثة أشهر ، واجتمع بابن سبعين . ولما كان باليمن أكرمه المظفر ، وأعطاه أربعمائة دينار ، ثم إنه ركب البحر ، ودخل الديار المصرية في سنة سبعين ، وخرج منها ، ودخل البلاد الرومية ، وأقام بها إحدى عشرة سنة منها : خمسة بقونية ، وخمسة بسيواس ، وسنة بقيصرية ، ودرس بقونية وسيواس ، واجتمع بالقاضي سراج الدين الأرموي وأكرمه ، وأخذ عنه المعقول . وخرج من الروم سنة خمس وثمانين وستمائة ، وقدم دمشق ، وأقام بها واستوطنها ، وعقد حلقة الإشغال بالجامع الأموي ، وقرأ عليه الأعيان وفضلاء الناس ، ودرس في دمشق بالروحانية والدولعية والأتابكية والظاهرية ، وكان مقصودا بالاستفتاء ، ويكتب كثيرا في الفتاوى ، وكان فيه خير وديانة وبرّ للفقراء ، يفطر في شهر رمضان عشرة من الفقراء الضعفاء . وصنف في أصول الدين كتاب الفائق ، وكان يقوم في الليل فيتوضأ ، ويلبس أفخر ثيابه ، وعلى ما قيل : حتى الخف والمهماز ، ويصلي ورده في جوف الليل ، وكان يحفظ ربع القرآن لا غير ، قيل عنه إنه قرأ يوما في الدرس المص [ الأعراف : 1 ] ، مصدر يمص مصا ، ولم ينطق بها حروفا مقطعة كما هو لفظ التلاوة . وممن تخرج عليه الشيخ صدر الدين بن الوكيل وغيره ، وأظن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أيضا ، وكان في بعض مدارسه ناظر لا ينصفه ، فقال : هذه المدرسة يعمل فيها بآيتين من كتاب اللّه تعالى المدرّس : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] ، والناظر : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] . ولما عقد بعض المجالس للعلامة تقي الدين بن تيمية عين صفي الدين الهندي لمناظرته ، فلما وقع الكلام قال لابن تيمية : أنت مثل العصفور تنط من هنا إلى هناك ، وقيل : إن الشيخ تقي الدين ذكر ما هو المشهور في سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم ، وهو أن واصل بن عطاء لما اعتزل حلقة الحسن البصري سمّي بذلك معتزلا ، فيقال : إن الشيخ صفي الدين قال : لا نسلم ، فقال الحاضرون : ما يقال في نقل التاريخ لا نسلم ، وكان ذلك سبب نصرة ابن تيمية ، ومنها أن قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى قال لابن تيمية : هذا الكلام الذي يثلج الصّدر ، فقال له الشيخ كمال الدين بن الزملكاني : واللّه تسخر وجه الشافعية بتلك الحاجة لما كنت أنت حاكمهم ، فقال لابن صصرى : لي يقال هذا الكلام ؟ ،