خليل الصفدي
290
أعيان العصر وأعوان النصر
أملى الجواب عليها في مجلد صغير ، فعظم في عين الأنبرور ، وقال : يا قاضي ، ما سألناك عن حلال ولا حرام في دينك الذي أنت فيه قاض ، وإنما سألناك عن أشياء لا يعرفها إلا الفلاسفة الأقدمون فأجبت عنها ، وليس معك كتب ، ولا ما تستعين به مثلك يكون قسيسا ، وحسد المسلمين عليه ، وزاد في تعظيمه وإكرامه ، وأحضر له الأرغل ، وهو الآلة عندهم في الطرب ، ولا يضرب به إلا في أيام أعيادهم ، فقيل : إنه ما اهتز له ولا تحرك ، وعندهم إن أحدا ما يسمعه فيملك نفسه من الطرب ، إلا أنه لما قام ، وجدوا كعابه مما حكها في البساط قد أدماها الحك ، وبقي أثر الدم في البساط ، فزاد تعجّب الأنبرور منه أيضا ، وأعطاه شيئا كثيرا . وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني غرائب من حفظه وذكائه ، وحكى الحكيم السديد الدمياطي عنه ، أنه تعشّى ليلة عند الشيخ علاء الدين بن النفيس ، وصلينا العشاء الآخرة ، قال : إلا أن القاضي جمال الدين كان يحتد في البحث ، ويحمد وجهه ، والشيخ علاء الدين في غاية الرياضة ، ثم إن القاضي آخرا قال : واللّه يا شيخ علاء الدين ، أما نحن فعندنا نكيتات ومواخذات ، وإيرادات وأجوبة ، وأما أنت فهكذا خزائن علوم ، هذا أمر بارع ، أو كما أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين ، قال : قدم المذكور علينا القاهرة مع الملك المظفر صاحب حماة فسمعت منه ، وأجاز لي جميع مرويّاته ومصنّفاته ، وذلك بالكبش من القاهرة في يوم الخميس التاسع والعشرين من المحرم سنة تسعين وستمائة ، وهو من بقايا من رأيناه من أهل العلم الذين ختمت بهم المائة السابعة . وأنشدني لنفسه مما كتب به لصاحب حماة الملك المنصور محمّد بن مظفر : ( الرجز ) يا سيّدا ما زال نجم سعده * في فلك العلياء يعلو الأنجما إحسانك الغمر ربيع دائم * فلا نرى في صفر محرّما ومن شعر قاضي القضاة جمال الدين بن واصل أيضا : ( الطويل ) وأعيذ مصقول العذار صحبته * وربع سروري بالتّأهّل عامر وفارقته حينا فجاء بلحية * تروع ، وقد دارت عليه الدّوائر فكرّرت طرفي في رسوم جماله * وأنشدت بيتا قاله قبل شاعر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ، ولم يسمر بمكّة سامر فقال مجيبا ، والفؤاد كأنّما * يقلقله في القلب منّي طائر بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا * صروف اللّيالي ، والجدود العواثر قلت : ومن مصنّفاته التاريخ الذي له ، وكان مفرج الكروب في دولة بني أيوب ، وله مختصر