خليل الصفدي
274
أعيان العصر وأعوان النصر
بمضحكات تعجّب منها الثكالى ، وتنشط الكسالى ، لو رآه أبو نواس لما قال ، أو ابن الهبارية « 1 » لما نظم « حي على خير عمل » ، وكان لا يبالي بما يقول من سخفه ، ولا يستحي في المجون إذا رفع مرخى سجفه ، لو عابه سيبويه قال له : خرا الكسائي في لحية الفراء . ولم يزل على حاله إلى أن استجن حشا ضريحه ، وأوحش الزمان وأهله خفة روحه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بالقاهرة ليلة الأحد الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة . وكان ابن دانيال - رحمه اللّه تعالى - طبيبا كحالا ، أديبا شاعرا ، مطبوعا على الدخول في أقواله وأفعاله ، توجّه صحبة الأمير سيف الدين سلار إلى قوص ، ومع الأمير سلار حسن الحليق ، وكان من جملة مماليك سلار غلام جميل الصورة ، له صورة عند أستاذه ، فتمشّى الحليق ومعه الخادم ، فوجدا ظل جميز ، وجدولا يجري فرقد الحليق هناك ، ونام الخادم عنده ، فطلبه أستاذه فلم يجده ، ففرّق المماليك في طلبه ، فوجدهما على تلك الحالة فأحضروا ، وقد اشتد غضب سلار ، فلما رأى ابن دانيال ذلك تقدّم ، وقال : يا خوند ، أقول لك ما تفعل بهذين ، فقال : قل ، قال : احلق ذقن هذا القواد حسن ، وأخص هذا الخادم ، فضحك سلار ، وسكن غضبه . حكى لنا شيخنا الحافظ فتح الدين قال : اجتزنا جماعة به ، وهو في دكان داخل باب الفتوح ، والناس عليه مجتمعون ، فقالوا : تعالوا نخايل على الحكيم ، فقلت لهم : ما أنتم وزنه فلا تشاكلوه ، فقالوا : لا بد وهو يكحل الناس ، فقال بعضنا : يا حكيم تحتاج إلى عصيات ، فقال : لا ، واللّه إلا ؛ أي من كان منكم يشتهي نقود ، فليتقدم قال : فقلت لهم : قلت لكم : لا تشاكلوه ، فما قبلتم قولي ، أو كما قال . وله نوادر كثيرة من هذا النمط ، يقال إن الملك الأشرف أعطاه قبل أن يلي فرسا ، وقال له : هذا اركبه إذا طلعت القلعة ، أو سافرت معنا إلى الصيد ؛ لأنه كان في خدمته ، فلما كان بعد أيام رآه ، وهو راكب على حمار مكسح ، فقال له : يا حكيم ، أين الفرس الذي أعطيناك ، فقال : بعتها وزدت عليها ، واشتريت هذا الحمار ، فضحك منه . وكان له راتب لحم على ديوان السلطان ، فعمل في وقت استيمار ، وقطع هو وغيره ، فدخل على الأمير سيف الدين سلار ، وهو يعرج ، فقال له : ما بك يا حكيم ؟ قال : بي قطع لحم ، فضحك منه ، وأمر له بإعادة مرتبه من اللحم .
--> ( 1 ) ابن الهبارية هو : محمد بن محمد بن صالح بن حمزة ، توفي سنة 504 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 1 / 130 ، ووفيات الأعيان : 4 / 453 ) .