خليل الصفدي
26
أعيان العصر وأعوان النصر
استدرك عليه ما فرط ، وأوقعه في أحبوله الوهم والغلط ، فسمروا شخصه على جمل ، وشمروا إليه ذيل الأجل ، وفاز عدوه بالسرور والشمات ، وقال وليه : « علو في الحياة وفي الممات » . وكان قد أسلم فما سلم ، وحكم اللّه فيه بما علم ، وحل بمن يعرفه هجوم الوجوم « وعند اللّه تجتمع الخصوم » ، وكانت واقعته في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة في شهر ربيع الأول . كان ولي الدولة هذا قد تزوّج ، وهو نصراني بأخت القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص قبل اتصال النشو بالسلطان ، ولما تولى النشو الخاص عظم ، ولي الدولة ، وزادت وجاهته ، وتقدّم على إخوة النشو ، وخدم عند الأمير سيف الدين أرغون شاه ، ثم إنه انفصل من عنده ، وخدم عند الأمير علاء الدين طيبغا المجدي ، وتحدّث في ديوان الأمير سيف الدين بهادر المعزي ، وهو أمير مائة مقدم ألف من أمراء المشورة ، وفي ديوان الأمير سيف الدين طقبغا ، وزادت وجاهته ، فلما أمسك القاضي شرف النشو وجماعته ، أمسك هو في الجملة ، ولكنه دخل إلى السلطان ، وقال : واللّه يا خوند ، أنا ما أحمل عقوبة ، وأنا أحمل موجودي ، فإن بلغ مولانا السلطان أنه بقي لي درهم واحد خذ روحي ، فأمر السلطان بأن لا يعاقب ، وسلم تلك المرة إلا من ضرب يسير . وتوفي النشو تحت العقوبة وأهله ، وبقي ولي الدولة ، وأخوه الشيخ الأكرم في الاعتقال بعد ما استصفي موجودهما . وكان قد عمر دارا على بركة الفيل في حكر أزدمر الشجاعي ، فأبيعت في جملة موجوده وموجود أخيه ، ولما مرض السلطان الملك الناصر محمد مرضه الذي مات فيه ، أفرج عن ولي الدولة وعن أخيه ، فيمن أفرج عنه من الاعتقال بالشام ومصر . وكان الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي يعرف ولي الدولة ؛ لأن مجد الدين رزق اللّه أخا النشو كان كاتبه ، فطلب من الملك المنصور أبي بكر ، فرسم به له فأخذه ، وأسلم على يده ، وبقي عنده . وعاد إلى تلك العظمة بزائد ، ورمي بأشياء مما أوجبت خلع المنصور ، وأوحى أعداؤه إلى الأمير سيف الدين قوصون ما أوحوه ، فقبض عليه ، وحسنوا له تسميره ، فأخرج من محبسه ، وسمر على جمل ، وهو لابس بسنجاب ، وشغلوا قدامه الشموع ، وطافوا به بالمغاني في شوارع القاهرة ، ثم قضى اللّه أمره فيه . وبلغني أنه وقف قدّام دكان الشهود على باب خانقاه « سعيد السعداء » ، وقال : يا مسلمين ، اشهدوا أنني أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، واللّه لم يبد شيء مما