خليل الصفدي
211
أعيان العصر وأعوان النصر
حداد ، فأرسل المملوك دمعة الصب على الحبيب الذاهب ، وأخذ من قسمة الأحزان بين الأنام نصيبه الواجب ، وكيف لا يعم الوجود هذا المصاب ، وتبين الدموع بسحها شح السحاب ، وقد كورت الشمس ، ولا تقول انقض الشهاب ، وغيض البحر ، ولا نقول انقشع الرباب ، ووهى عماد الملك ، ولا نقول انقصمت الأطناب ، وفجع بمن أثقلت أياديه الأعناق قبل أن حمل على الرقاب : ( الكامل ) ردّت صنائعه عليه حياته * فكأنّه من نشرها منشور وللوقت طالع المملوك العلوم الشريفة بذلك ، وورد الجواب الشريف يتضمن شمول مولانا بالصدقات الشريفة ، وإقامته مقام والده - قدس اللّه روحه - فهنأ اللّه مولانا بهذه البشرى التي صدقت الرجا ، والمسرة التي رقمت سطورها على كافور النهار بعنبر الدجى . وما أحق هذه البشرى أن تهتز لها أعطاف المنابر ، وأن تنطق بحمدها ألسنة الأقلام من أفواه المحابر ، وأن تعد نعمها أنامل الرايات إذا خفقت ، وان تتورد صفحات السيوف من دم الأعادي إذا امتشقت ، واللّه يجمل الأيام بدولته الزاهرة ، ويجعل الأقدار على مراده ، ومرامه متظافرة بمنه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . فعاد جوابه يتضمن أنه واصل إلى دمشق ليتوجه منها إلى الديار المصرية فكتبت أنا الجواب إليه : أعز اللّه أنصار المقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأفضلي ، ولا زال مقامه الشريف بالتحف ملتحفا ، ومجده المؤثل بأزاهر المحامد روضه أنفا ، وركابه العالي إذا سار أخذت الأرض زينتها ، ولبست زخرفا تقبيلا يكسب به ثغر الثريا شرفا ، ويغدو على شفة الهلال شفا ، بعد أن كان من السقم على شفا . وينهى بعد أدعية رقمت على سرادق الإجابة أحرفا ، وعبودية لم يجد الولاء عن إخلاصها مصرفا ، وأثنية تنشر على الروض برودا ، وتقرأ الحمائم من سجعها صحفا . ورد المثال العالي يتضمن حركة الركاب الكريم إلى الأبواب الشريفة فكاد قلب المملوك لتلقيه يطير فرحا ، ويميد عطف الزمان ، ومن فيه مرحا ، ويكون يوم قدومه يوم الزينة ، وأن يحشر الناس ضحى . فاللّه تعالى يجعلها حركة مقرونة بالسعود موصولة بالميامن التي بها جمال الأيام ، والأنام ، والوجود . وكتبت أنا إليه عن السلطان الملك الناصر محمد كتابا ببشارة النيل عقيب وروده من الحجاز سنة اثنتين ، وثلاثين ، وسبعمائة : أعز اللّه أنصار المقام الشريف ، وجعل رسل الهنا تتوارد على مقامه تترى ، وأبهجه بكل نبأ من الخصب يتحرق له البرق حسدا في قلب السحاب ، ويتحرى ، وسره بكل خبر يتفرق به محل المحل ، ويتفرى ، ويعمه بكل ، وارد يقص عليه حديثا جعل البر بحرا ، وملأ البحر برا . أصدرناها إلى مقامه الكريم تجد رعي عهوده ، وتفض سلاما يتردد إليه تردد أمواج البحر في انحداره ، وصعوده ، وتبث ثناء لا