خليل الصفدي

208

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان الملك الأفضل سليم الباطن عديم الشر للنازح ، والقاطن ، تنسك في وقت ، وجلس على لباد ، ورفض سماع الشعر حتى نقائض الفرزدق ، وجرير . وما كان يخلو من ذوق ، وعنده فضيلة تزين رب التاج ، والطوق ، كثير التأدب مع من يخاطبه ، غزير التعتب على من يقاطعه ، أو يجانبه ، كبير التألب على من يستدعيه لجوده ، ولا يجاوبه . ( الكامل ) ورث السّيادة كابرا عن كابر * كالرّمح أنبوبا على أنبوب ونقل أخيرا إلى دمشق من حماة ، وترك ملكه فيها ، وحماه ، فأكمده على ذلك الحزن ، وطول الغم له الرسن ، وحصل له قولنج أعقب بصرع ، وألحق بالأصل الفرع . وجف من حياته الضرع ، وضاق من أهله ، وخدمه الذرع ، وأفضى الأفضل إلى ما قدم من عمل ، وخاب ممن كان يقصده ، ويرجوه الأمل ، ووضع في تابوت ، ونقل إلى حماة ، ورشف العدو من السرور لماه فعاد من وطنه إلى غير سكن ، وناح عليه حتى ناعورة أم الحسن . وتوفي رحمه اللّه تعالى بدمشق ليلة الثلاثاء الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة . كان والده رحمه اللّه تعالى قد سماه في حياته بالمنصور فلما توفي ، والده في سنة اثنتين ، وثلاثين ، وسبعمائة ، رسم له السلطان الملك الناصر محمد بمكان أبيه في حماه ، وسماه بالأفضل باسم جده ، ورسم السلطان للأمير سيف الدين تنكز ، ولسائر نواب الشام أن يجروه على عادة والده في جميع أحواله من المكاتبة ، وقبول الهدية ، وسماع الشفاعة ، وغير ذلك . وطلبه إلى مصر ، وأقبل عليه ، وكتب تقليده بحماه على عادة والده ، وأفاض عليه التشاريف الفاخرة ، وكان يعطي الناس ، ويجود عليهم ، ويخدم الأكابر ، وهو مذموم . وما زال في حماة مروعا مدة حياته تارة من جهة السلطان ، وتارة من جهة تنكز ، وتارة من جهة العربان يأخذون إقطاعاته ، وتارة من جهة أقاربه يشكون عليه . وكان هو في حماة قد ولاني نظر المدرسة التقوية بدمشق نيابة عنه ، وزاد معلوم النظر ، ولما حضر إلى دمشق توجهت إلى خدمته فتصدق ، وأحسن ، وأجمل ، وترددت إليه ، وسمعت كلامه غير مرة ، وما كان يخلو من استشهاد على ما يقوله بشعر مطبوع أو مثل مشهور . ولم يزل على حاله في حماة إلى أن تولى الأشرف كجك فرسم له بحضوره إلى دمشق ، وولي الأمير سيف الدين طقزتمر نيابة حماة ، وأن يكون الأفضل بدمشق أمير مائة رأس الميسرة ، وأن يطلق له من دخل حماة ألف ألف درهم ، ومائتا ألف في كل سنة فوصل إليها