خليل الصفدي

158

أعيان العصر وأعوان النصر

1456 - محمد بن أحمد بن عيسى « 1 » ابن رضوان القليوبي المحتد القاضي الفاضل الأديب فتح الدين . اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي على أبيه ، وعلى غيره ، وتأدب . له الشعر الجيد ، والنظم ، وكانت فطرته ذكية ، ونفسه فيها بقايا من لوذعية ، واسع الكرم والجود ، لا يبقي على موجود ، كثير التبذير غزير التنديب ، والتنذير ، واسع الخيال ، زائد التوهم والاحتيال ، إلا أنه تعب بخياله ، وحصل له أنكاد منعته من طيف خياله . ولم يزل بذلك في نكد ، وما يهب نسيم سعوده حتى يراه ، وقد ركد . ولم يزل على حاله إلى أن انقلب القيلوبي في حفرته ، وأورث أصحابه دوام حسرته . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ليلة الثالث عشر من جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة . ومولده في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وستمائة . حضر هذا فتح الدين إلى صفد قاضي القضاة بعد ما عزل عنها القاضي شرف الدين محمد النهاوندي ، وأقام بها قليلا ، وعاد إلى الديار المصرية . وكان كثير التخيل ، والتوهم فتوهم شيئا في قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة فحصلت الوحشة بينهما فأعرض عنه بعد الإقبال عليه ، وجفاه ، وأبعده ، وألجأته الضرورة ، والحاجة إلى قيام الصورة حتى ناب القاضي عزّ الدين عبد العزيز بن أحمد الأشمومي بمدينة المحلة . ثم إنه حصلت بينهما نفرة من خياله فعاد إلى القاهرة ، وأقام بها مدة لطيفة ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور . وله نوادر طريفة منها : قال كمال الدين الأدفوي - رحمه اللّه تعالى - : حكى لي فتح الدين قال : كنت أجلس دائما فوق الصدر سليمان المالكي فجاء مرة لمجلس قاضي القضاة ابن مخلوف المالكي فجلس فوقي فقلت لقاضي القضاة : قال ابن شاس : إن مالكا رضى اللّه عنه كره طول اللحية جدا قوله « جدا » ، وصف للكراهة أو للحية وكان الصدر طويل اللحية فقام من المجلس . وقلت له مرة : من أي بلد أنت فقال : من شبرا مريق فقلت له : بلدة مليحة هي ! فقال : ما فيها أكثر من الشعير فقلت له : لأجل ذلك أخذت في وجهك مخلاة . وطلبوه مرة ليرسلوه إلى العراق فجلس معي يشكو إلي فقلت : يا صدر الدين ! ما أوقعك في هذه الحرية إلا هذه الذقن ، فتوجه الصدر رسولا ثم حضر ، فقال له فتح الدين : أي شيء غنمت في هذه السفرة قال : كبرت لحيتي قال : هذه الغنيمة الباردة . وجمع فتح الدين من هذه الأشياء كراسة ، وسماها « نتف الفضيلة في اللحية الطويلة » .

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 5 / 918 ، والوافي بالوفيات : 2 / 145 .