خليل الصفدي
147
أعيان العصر وأعوان النصر
السنجاري الأصل والمولد المصري الدار والوفاة المعروف بابن الأكفاني . كان فاضلا قد برع في علوم الحكمة ، وجمع شتات العلوم من غيرها بماله من الهمه ، لو رآه الرئيس لكانت إليه إشاراته ، وبه صح شفاؤه ، وتمت نجاته ، ولم يكن قانونه يطرب ، ولا حكمته المشرقية مما يأتي بالفوائد فيغرب ، ولو عاصره النصير الطوسي لما بنى الرصد ، وكف من طول باعه في التصنيف واقتصد ، ولم يعد الناس متوسطاته في المبادي ، وعلم أنه ما ظفر بهيبة من الهيئة إلى يوم التنادي . ولو عاينه بطليموس لما ، وضع اسطرلابا ، ولم يدر مجس المجسطي ، ولم يجد له فيه طلابا . ولو ناظره الخونجي « 1 » لما أجلسه على خوانه ، وعلم أن منطقه في « كشف الأسرار » هذر عند بيانه . هذا إلى توسع في علم الأدب على كثرة فنونها ، واتساع بحرها لملاعب نونها ، وفهم نكته ، ودقائقه ، ومعرفة مجازاته ، وحقائقه . واستحضار كثير من وقائع العرب ، وأيامها ، وتواريخ الأعيان ، وأحكامها . اجتمعت به فكنت أرى العجائب ، وأسير في فضاء غرائبه على متون الصبا والجنائب ، أخذت عنه فوائد في الرياضي ، وملأت بقطر علومه حياضي ، ولم أر مثل عبارته ، ولا لطف إشارته ، فكنت أحق بقول أبي الطيب : ( الكامل ) من مبلّغ الأعراب أنّي بعدها * شاهدت رسطاليس ، والإسكندرا ولقيت كلّ العالمين كأنّما * ردّ الإله نفوسهم ، والأعصرا ولم يزل الشيخ على حاله إلى أن اندرج ابن الأكفاني في الأكفان ، وتحقق معنى قوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة تسع وأربعين ، وسبعمائة بالقاهرة في طاعون مصر تعجيزا من اللّه تعالى لما يعرفه ، وينفقه من حواصل علومه ويصرفه . كان هذا الشيخ شمس الدين قد برع في علوم الحكمة ، وتفرد بإتقان الرياضي فإنه كان إماما في الهندسة ، والحساب ، والهيئة ، وله في ذلك تصانيف ، وأوضاع مفيدة قرأت عليه قطعة جيدة من كتاب أقليدس ، وكان يحل لي ما أقرأه عليه بلا كلفة كأنه ممثل بين عينيه فإذا ابتدأت في الشكل شرع هو يسرد باقي الكلام سردا ، وأخذ الميل ، ووضع الشكل ، وحروفه في الرمل على التخت ، وعبر عنه بعبارة جزلة فصيحة بينة ، واضحة كأنه ما يعرف شيئا غير ذلك . وقرأت عليه مقدمة في وضع الأوفاق فشرحها لي أحسن شرح ، وقرأت عليه أول « الإشارات » فكان يحل شرحه نصير الدين الطوسي بأجل عبارة ،
--> ( 1 ) انظر : شذرات الذهب : 5 / 236 .