خليل الصفدي

145

أعيان العصر وأعوان النصر

كلّ من عالج الجراحة فدم * وأقيم الدّليل بالبرهان ولما نشأ صلاح الدين المذكور لأبيه أقرأه أبوه القرآن فحفظ منه نحو النصف ، وقرأ طرفا من العربية على الشيخ بهاء الدين بن النحاس ، وقرأ الطب على العماد النابلسي ثم على الشيخ علاء الدين بن النفيس . وكان قد أجيز أولا بالكحل ثم بالتصرف في الطب ، وكان فاضلا في فروع الطب مشاركا في الحكمة مائلا إلى علم النجوم ، والكلام على طبائع الكواكب ، وأسرارها ، وقرأ في آخر عمره على الشيخ شمس الدين الأصفهاني كثيرا من الحكمة ، وسمع بقراءة فخر الدين عبد الوهاب « 1 » كاتب الدرج كتاب « الشفاء » لابن سينا على الشيخ شمس الدين ، وهو يشرحه لصلاح الدين ميعادا فميعادا إلى أن أكمله . قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : وسألت الشيخ شمس الدين عنه فقال : اشتغاله أكثر من ذهنه ، وكان علمه بالطب أكثر من معالجته . وقال لي شيخنا شمس الدين : إنه طلعت في أصبعه سلعة فاستطب لها صلاح الدين فبهت ثم وصف أشياء لم تفده فقال له فخر الدين عبد الوهاب : لو عملت كذا وكذا كان أنفع له فعمله فنفعه ، وبرئ به . وكان صلاح الدين المذكور ذا مال ، ومتجر ، وأكثره في إخميم ، وكان من أعيان أطباء السلطان الذين يدخلون عليه ، ويعرف له السلطان مكانته ، وفضله ، وكان خصيصا بالنائب الأمير سيف الدين أرغون . ثم إنه اختص بعده بالأمير سيف الدين طقزتمر ، ويطلع معه في كل سنة إلى الصعيد فيكون في خدمته ، ويستعين بجاهه على استخراج أمواله ، وإنفاق متاجره . وصحب قاضي القضاة تاج الدين القزويني ، وكان يسفر عنده لقضاة الصعيد يقدم كتبهم ، ويتنجز أجوبتهم . وكان لا يزال ضيف الذرع من تقدم القاضي جمال الدين بن المغربي رئيس الأطباء عليه ، وسأل من السلطان الإعفاء من الطب ، وأن يكون من تجار الخاص فقال السلطان : نحن نعرف أنه إنما قال هذا لكون ابن المغربي هو الرئيس ، وكونه هو أكبر ، وأفضل فلا يأخذ في خاطره من هذا فهو عندنا عزيز كريم ، ولكن إبراهيم صاحبنا ، ونعرف أنه ما يستحق التقدم عليه . فطاب قلب صلاح الدين بهذا الكلام ، وخطب بعد ذلك أخت ابن المغربي ، وتزوج بها ، واتحدا بعد مباينة البواطن .

--> ( 1 ) فخر الدين هو : عبد الوهاب بن الحكيم .