خليل الصفدي
127
أعيان العصر وأعوان النصر
كان حسن الأخلاق ، منبسطا على الإطلاق ، متّسع النفس في حالتي الغنى والإملاق ، ذكي الفطرة ، زكي المخالطة والعشرة ، مطرح التكلّف مع أصحابه ، عديم التخلّف عن أشكاله وأضرابه ، ومع ذلك فلم يرزق أحد سعادته في صدور الصدور ، ولا فرح أحد بسيادته التي أربت على تمام البدور . وكان معروفا بحل المشكلات ، موصوفا بإيضاح المعضلات ، كثير التلاوة والأذكار ، كثير الصلاة في نوافل الأسحار ، موثوقا بديانته ، مقطوعا بأمانته . وأما علمه بالعربية فإليها الرحلة من الأقطار ، ومن فوائدها تدرك الأماني وتنال الأوطار ، قد أتقن النحو وتصريفه ، وعلم حد ذلك ورسمه وتعريفه ، ما أظن ابن يعيش مات إلا من حسده ، ولا ابن عصفور لأجله طار ذكره إلا في بلده ، ولا المرسي رست له معه قواعد ، ولا لأبي البقاء العكبري معه ذكر خالد ، بذهن نحى النحاس القديم « 1 » عن مكانه ، وجعل ابن بري بريا من فصاحة لسانه ، وتحقيق ما اهتدى ابن جني إلى إظهار خباياه ، ولا نسبت إلى السخاوي « 2 » هباته ولا عطاياه . تخرّج به الأفاضل ، وتحرج منه كل مناظر ومناضل ، وانتفع الناس به وبتعليمه ، وصاروا فضلاء من توقيفه وتفهيمه ، وكتب خطأ أزرى بالوشي إذا حبك ، والذهب إذا سبك . ولم يزل على حاله ، إلى أن بلغ من الحياة أمدها ، وأهدى الزمان إلى عينيه بفقده رمدها ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - يوم الثلاثاء السابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وستمائة بالقاهرة . ومولده بحلب في سلخ جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وستمائة . وكان من العلماء الأذكياء الشعراء ، له خبرة بالمنطق ، وخط من أقليدس ، وكان على ما قيل : يحفظ ثلث « صحاح » الجوهري ، وثلث « سيبويه » ، وكان مطرحا صغير العمامة ، يمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية فقط ، وربما ضجر من الاشتغال ، فأخذ الطلبة ، ومشى بهم بين القصرين ، وألقى لهم الدروس . وكان متين الديانة ، وله أبهة وجلالة في صدور الناس ، وكان بعض القضاة إذا انفرد بشهادة ، أخبرني الشيخ نجم الدين الصفدي ، وكان ممن قرأ عليه قال : قال الشيخ بهاء
--> ( 1 ) النحاس القديم هو : أبو جعفر أحمد بن إسماعيل ، توفي سنة 338 ه ، ( انظر : بغية الوعاة : 1 / 362 ) . ( 2 ) السخاوي هو : علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد ، توفي سنة 643 ه . ( انظر : بغية الوعاة : 2 / 192 ) .