خليل الصفدي
120
أعيان العصر وأعوان النصر
اثنتين وأربعين وسبعمائة . أول ما عرفت من أمره ، أنني رأيته بحلب سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، وهو ضامن المدينة ، وكان ضامنها من قبل بمدة ، وطلع مرات إلى مصر ، ورافع الناس ، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش يصدّه ويردّه ، ويكذّبه قدّام السلطان ، ولم يبلغ مرامه مدة حياته ، فلما مات طلع إلى مصر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، ودخل إلى السلطان ، ورمى بين يديه دينارا ودرهما وفلسا ، وقال : يا خوند ، الدينار في حلب للمباشرين ، والدرهم للنائب ، والفلس لك ، فتأذّى السلطان من ذلك ، واستشاط غضبا ، وطلب الجميع من حلب على البريد ، وسلّمهم إليه ، وكان يقعد في قاعة الوزارة ويستحضرهم ، ويقتلهم بالمقارع ، وكان الناس قد طال عهدهم بالمقارع ؛ لأن القاضي كريم الدين - رحمه اللّه تعالى - كان قد أبطلها ، واستمر إبطالها بعده إلى أن جاء هذا - لولو - فأعادها ، وبالغ في أذى أهل حلب ، فأنكر أهل مصر ذلك ، وساءت سمعته ذلك اليوم ، ورثى الناس لمباشري حلب ، ووقف الناس له ؛ ليرجموه إذا نزل ذاك النهار من القلعة ، فأحسّ بذلك ، ودخل إلى السلطان ، وعرّفه ذلك ، فزاد غضب السلطان ، ولم ينزل لولو من القلعة ، وربما جعل معه أوشاقية يحفظونه ، ولم يزل يعاقبهم بمصر حتى استصفى أموالهم ، وأخذهم معه ، وتوجّه بهم إلى حلب ، وقد أمره السلطان ، وجعله مشد الدواوين بحلب . ولما وصل إليها صادر وعاقب ، وتنوّع في ذلك ؛ حتى أباع الناس أولادهم ، وزاد في الخيانة ، فبلغ الخبر إلى السلطان ، فسير السلطان للكشف عليه الأمير سيف الدين الأكز ، فصانعه وداراه ، وقدّم له فأخذه معه ، وطلع إلى مصر بما معه من التقادم العظيمة ، فقبلها السلطان منه ، وجعله بين يدي الأكز مشد الجهات بمصرف القاهرة ، فزاد تسلّطه على الناس ، وكرهه الأكز ، فأخذ العصا يوما ، وضربه إلى أن خرب عمامته ، وخرج إلى برا وهو كذلك ، فتوجّه إلى القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص ، ودخل عليه ، واتفق معه ، وعملا على الأكز ، وأخرجاه إلى الشام ، وولاه السلطان شد الدواوين بالقاهرة ، فعمل ذلك بجبروت عظيم ، وزاد طغيانه وعتوّه . ثم إن السلطان غضب عليه ، فأمسك لولو ، وطلب الأمير علم الدين سنجر الحمصي من الشام ، وولاه شد الدواوين بالقاهرة ، وسلّم لولو إليه ، فضربه بعض ضرب ، وأقام مدة في الاعتقال ، ثم إنه خرج إلى حلب مشدا - واللّه أعلم - ، فأقام بها إلى أن حضر الأمير سيف الدين طشتمر حمص أخضر نائب حلب ، ومعه الأمير سيف الدين بهادر الكركري « 1 »
--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمة له .