خليل الصفدي

10

أعيان العصر وأعوان النصر

لا يُحِبُّ الْفَسادَ وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ [ البقرة : 205 ، 206 ] ، وشاع الخبر أن شعارهم الحيف على الرعية ، ومد الأيدي إلى حريمهم وأموالهم بالأذية ، والتخطّي عن جادة العدل والإنصاف ، وارتكابهم الجور والاعتساف ، حملتنا الحمية الدينية ، والحفيظة الإسلامية ، على أن توجّهنا إلى هذه البلاد ؛ لإزالة العدوان والفساد ، مستصحبين الجم الغفير من العساكر ، ونذرنا على أنفسنا إن - وفقنا اللّه تعالى - بحوله وقوّته لفتح البلاد ، أن نزيل عن أهلها العدوان والفساد ، ونبسط العدل في العباد ، ممتثلين الأمر الإلهي المطالع إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، وإجابة إلى ما ندب إليه الرسول عليه السلام « المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن » ، وكلتا يديه يمين « 1 » الذين يعدلون في أحكامهم وأهليهم . وحيث كانت طويتنا مشتملة على هذه الطويلة الجميلة ، والنذور الأكيدة ، منّ اللّه - سبحانه وتعالى - علينا بتبلج تباشير النصر المبين ، وأتم علينا نعمته ، وأنزل علينا سكينته ، فهزمنا العدة الطاغية ، والجيوش الباغية ، ففرّقناهم أيدي سبا ، ومزّقناهم كل ممزق حتى جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] ، فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام ، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام ، منخرطين في زمرة من حبب إليه الإيمان ، فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثّقة ، والنذور المؤكدة ، فصدرت مراسمنا العالية ، أن لا يتعرض أحد من العساكر المذكورة على اختلاف طبقاتهم بدمشق وأعمالها ، وسائر البلاد الشامية ، وأن يكفّوا أظفار التعدي عن أنفسهم وأموالهم ، وحريمهم وأطفالهم ، وأن لا يحوموا حول حماهم بوجه من الوجوه ، حتى يشتغلوا بصدور منشرحة ، وآمال منفسحة ، لعمارة البلاد ، وما هم بصدده من تجارة وزراعة . وكان في هذا الهرج العظيم وكثرة العساكر ، تعرّض بعض نفر يسير إلى بعض الرعايا وأسرهم ، فقتلنا منهم ؛ ليعتبر الباقون ، ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر ، وليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتة ، وأن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان من اليهود

--> ( 1 ) الحديث : أخرجه الإمام مسلم : في كتاب الإمارة : 5 ، باب : فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية : 1827 ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وذكره ، وأخرجه النسائي : في آداب القضاة : 1 ، وأحمد بن حنبل في المسند : 2 / 160 ، و 2 / 159 ، 203 ( حلبي ) .