خليل الصفدي
94
أعيان العصر وأعوان النصر
أحيا الكرم والجود ، وسهر في طيب الثناء عليه والمدابير هجود ، صدق أخبار البرامكة بل أخملهم ، وزاد في اقتراح المكارم فحملهم الخجل بل جمّلهم ، ابتدع في الإحسان طرقا خفيت على الأوائل ، وابتدأ جودا لا يحسن الثناء عليه سحبان وائل ، فكان كما قال أبو الطيب : ( البسيط ) تمشي الكرام على آثار غيرهم * وأنت تخلق ما تأتي ، وتبتدع عمّر ربوع الندى ، وغمر الناس بالجدى ، وعمّ بجوده وما خصّ ، وبل جناح الشكر وما حص ، فدرجت حوله طيور الثناء ، وما طارت وعرجت في مراقي حمده ، ودارت أجمع أهل عصره من غير مصره على سماحه ، ولم يخالف واحد على مبالغة الجود في بطن راحه ، إذا أنه كرم كرمه عرش على الفقراء والأمراء ، وتعدّى الغاية فتأدّى إلى الملوك والوزراء ، حتى أخجل بنيله النيل ، وفرّت مياه الفرات ، وقالت : هذا من المستحيل ، وعلى الجملة فكان خبره أكبر من خبره ، وهو أبو دلف زمانه الذي ولّت الدنيا على أثره ، وقد تمكّن من سلطانه تمكّن الصبابة من بني عذرة ، والشجاعة من آل أبي صفرة ، وحلّ منه محل الإنسان من العين ، وأطاعه طاعة المفلس لرب الدّين ، فهو له في القوبل مثل المحب للواشين والغر للغاشين ، لا يكاد يخالفه ، ولا يرى هواه في شيء إلا يميل إليه ويحالفه ، وكان به لذلك الملك نضارة ، ولذلك العصر غضارة : جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم * بعد الممات جمال الكتب ، والسّير ولم يزل نجمه في سعود وعزمه في صعود ، إلى أن غدر به زمانه ، وخانه محبوه وإخوانه ، وتبرّأ منه من كان يجمعهم خوانه ، فقبض عليه ونظر بعد الرضا بعين السخط إليه ، وجهزه إلى الشوبك ، ثم إلى القدس ، ثم إلى أسوان ، ومن هناك انتقل إلى رضوان ، وادّعي أنه شنق روحه ، واختار أن سكن ضريحه ، وذلك في الثالث عشر من شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة . وكان قد أسلم كهلا أيام الجاشنكير ، وكان كاتبه ، وكان لا يصرف على السلطان شيء إلا بقلمه ، ويقال : إنه طلب يوما إوزة ، ولم يكن كريم الدين حاضرا ، فتعذّر صرفها إليه ، ولما هرب المظفّر - رحمه اللّه تعالى - ، ووصل السلطان إلى مصر ، لم يكن له دأب في غير تطلب كريم الدين والتوقّع عليه ، والسؤال عنه في كل وقت . أخبرني الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس قال : جاء كريم الدين إلى الأمير علم الدين الجاولي ، وقال له : قد جئت إليك ، فقال : ما في يدي لك فرج ، ولكن اليوم للسلطان خاصكي يقال له : الأمير سيف الدين طغاي الكبير ، وهو لا يخالفه ، فأريد أجتمع لك به ،