خليل الصفدي
83
أعيان العصر وأعوان النصر
حجرا ، فبدت رجلي في خف بلغاري ، فاستخرجني فقمت أعدو إلى الماء ، فشربت من شدة عطشي ، ووجدت في خاصرتي فزارا من الحجارة ، وفي رأسي فتحا ، قال الشيخ شمس الدين : ثم أراني القاضي أثر ذلك في كشحه ، ووضع أصابعي على جورة في رأسه تسع باقلاة ، ودخلت البلد إلى إنسان أعرفه ، فمضى بي إلى ابن عم لنا وهو الصدر الخجندي ، وكان مختفيا بالصالحية ، وله غلامان ينسجان ويطعمانه ، اختفى لأمور بدت منه أيام هولاكو ، وكتب معي ورقة إلى نسائه بالبلد ، وكانت بنته ست البهاء التي تزوّج بها الشيخ زين الدين بن المنجى ، وماتت معه وهي أختي من الرضاعة ، فأقمت عندهن مدة لا أخرج ، حتى بلغت وحفظت القرآن بمسجد الزلاقة ، فمررت يوما بالديماس ، فإذا بعمي ، فقال : هاه جمال الدين امش بنا إلى البيت ، فما كلّمته وتغيرت ، ومعي رفيقان ، فقالا لي : ما بك ، فسكت وأسرعت ، ثم رأيته مرة أخرى بالجامع ، فأخذ أموالي وذهب إلى اليمن ، وتقدّم عند ملكها ووزر ، ومات عن أولاد . وجوّدت الختمة على الزواوي ، وتفقّهت على النجم الموغاني ، وترددت إلى الشيخ تاج الدين ، وتفقّهت بابن جماعة ، وقرأت عليه مقدمة ابن الحاجب وعلى الفزاري ، ثم وليت القضاء من جهة ابن الصائغ وغيره ، ونبت يوما بجامع دمشق عن ابن جماعة ، فقيل له : إن داوم هذا راحت الخطابة منك ، يعني لحسن أدائه وهيئته . وجالسته مرات ، وكان يروي عن الشيخ مجد الدين بن الظهير « 1 » قصيدته التي أولها : كل حي إلى الممات مآبه ، انتهى ما ذكر الذهبي . قلت : ولما كان بصفد قرأت عليه ديوان خطبه سمّاه « تحفة الألباء » ، وأجازني جميع ما يجوز له أن يرويه ، وفي هذه الخطب مواضع خارجة عن الصواب من اللحن الخفي ، فكتبت عليها طبقة ، وهي : قرأت هذه الخطب المسرودة على حروف المعجم من أوّلها إلى آخرها ، على مصنّفها وكاتبها العبد الفقير إلى اللّه - تعالى - القاضي جمال الدين عبد القاهر بن محمد التبريزي الحاكم بصفد المحروسة ، لا زالت الطروس توشي ، وتوشع بكلامه وأقلامه ، وترصف وترصع بحكمه وأحكامه ، ومحاسن أيامه ولياليه ، تنشأ وتنشد ، ودرر نظمه ، ونثره تنظم ، وتنضد قراءة من غاص اللجة من بحر حبرها ، وعلم قيمة المنتقى والمنتقد من دراريها ودرها ، واستشف معانيها المجلوة في حبر حبرها ، وصدق معجز آياتها وما شك في خبر خبرها ، واستجلى وجوه عربها وتوجيه إعرابها ، وتحقق أن القرائح ما لها
--> ( 1 ) مجد الدين بن الظهير هو : محمد بن أحمد بن عمر الإربلي الحنفي ، المتوفى في سنة 677 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 2 / 123 ) .