خليل الصفدي
420
أعيان العصر وأعوان النصر
كان في الفقه إماما ، وعلما لا يسام رفعة ولا يسامى ، قد تضلّع من الفروع ، وكاد يتقدم على غيره من الشروع ، قل نظيره ، وعلا على الأطلس أثيره ، اعترف له بذلك فقهاء مصره وفضلاء عصره ، لو أنه لم يكن عقله المعيشي طائلا ، ولا سيل علمه في سياسة الناس سائلا ، لا جرم أنه عزل ، واخترم من منصبه واختزل . وما زال يتقلّب في حاليه مع الأيام ، ويتصرف بنفسيه مع النقض والإبرام ، إلى أن درج بعد ما مشت حاله ، وراح إلى اللّه وقدامه علمه وأعماله ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بصفد في أول شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مائة . ومولده تقريبا سنة إحدى وثمانين وستمائة . كان شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي يثني عليه ، ويعظّمه في الفقه ، ويقول : ما رأيت أفقه نفسا منه ، وكان المصريون يقولون : لو حلف الحالف أنه يستفتي أعلم من في القاهرة ، واستفتاه لم يحنث . وكان قد تولى قضاء القضاة بحلب ، فحضر إليها في أيام الأمير سيف الدين طرغاي ، فلم تطل مدته ، ولم تحسن سياسته الناس ، فتعصّب عليه جماعة مع كاتب سرّها القاضي شهاب الدين بن القطب ، فعزل منها بعد شهرين أو ثلاثة ، إلا أنه باشرها بصلف وأمانة وعفة ، حتى قال فيه القاضي زين الدين بن الوردي « 1 » - رحمه اللّه تعالى - : ( الرمل ) كان ، واللّه عفيفا نزها * وله عرض عريض ما اتّهم وهو لا يدري مداراة الورى * ومداراة الورى أمر مهم فحضر إلى دمشق في أواخر أيام الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - ، ففاوضه قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه اللّه تعالى - فيه ، وعرّفه مقداره ، فقال له : لا تقطع به ، فولاه تدريس المدرسة النورية بحمص ، فأقام بها مدة إلى أن ورد الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد ، فتعصّب عليه عنده حاكمها القاضي شهاب الدين البارزي فتركها ، وتوجه إلى القاهرة ، فولاه قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة قضاء المنوفية ، فأقام بها مدة ، وأتى إلى القاهرة ، فولاه قاضي القضاة نيابة الحكم في باب الفتوح ، ثم إن السلطان ولاه
--> ( 1 ) ابن الوردي هو : عمر بن مظفر بن عمر أبو حفص ، زين الدين بن الوردي ، شاعر أديب مؤرخ ، ولد في معرة النعمان بسورية سنة 691 ه ، وولي القضاء بمنبج ، وتوفي بحلب سنة 749 ه . من كتبه : ديوان شعر فيه بعض شعره ونثره ، و « تتمة المختصر » تاريخ مجلدان يعرف بتاريخ ابن الوردي ، و « تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة » نثر فيها ألفية ابن مالك في النحو ، و « الشهاب الثاقب » في التصوف ، و « بهجة الحاوي » نظم بها الحاوي الصغير في فقه الشافعية . ( انظر : فوات الوفيات : 2 / 16 ، وبغية الوعاة : 365 ، والنجوم الزاهرة : 10 / 240 ) .