خليل الصفدي

402

أعيان العصر وأعوان النصر

كالريحان تحت الشقائق ، وصرع بها أطيار المعاني ؛ لأن دالات السطور قسي والنقط بنادق ، وزان آفاقها بنجوم أسجاعه ، فلم يصل أحد إلى درجات فصاحتها لما فيها من الدقائق ، وأصدرها في الروح والروع ، يرجى الحيا منها وتخشى الصواعق ، وأودعها نفائس إنشائه ، فأثنى عليها أئمة البلاغة ، ولو سكتوا أثنت حقائب الحقائق ، طالما كتب بالأبواب الشريفة تقليدا ، وجهّز في المهمات كتبا ملأت البحر حربا والبر بريدا ، ووشى أمثلة صدرت عنها ، فطارت في الآفاق ، ولكن أوثقتها الأفهام تقييدا ، وعاد الآن إلى الشام ، فنفس عنه خناق الوحشة بقربه ، وتلقها بالرحب علما بأنه يغني عن الكتائب بكتبه ، وأحله في رتبة يشرفها الولي بسلمه ، ويسوء العدو بحربه ؛ شوقا إلى أنس ألفه من لطفه ، وعرفه من عرفه في نفح عرفه ، فطاب به الواديان كلاهما ، وتنافسا في أخذ حظيهما من قربه ، فما تساهلا تساهما ، فهو من القوم الذين تسقى البلاد بهم وتسعد ، وإذا قربوا من مكان تخطّاهم السوء للأبعد ، وإذا قاموا بمهم كانوا فيه أقعد ، وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد ، وإذا كتبوا كبتوا العدا ؛ لأن كلامهم لمع فأبرق ، وطرسهم قعقع فأرعد . فليباشر ذلك على ما عهد من أدواته الكاملة ، وكلماته التي تركت محاسن البرايا بائرة وأزاهر الخمائل خاملة ، والوصايا التي تملا كثيرة ، وكم شرع لها قرطاسه وشرعها بأقلامه ، ونضد عقودها بإحكام أحكامه ، وملأ بجيوشها صدور مهامه ، فما يلقى إلى بحره منها درّه ، ولا يذكر لطود فضله منها ذرّه ، ولا يطلع القلم في أفق فضل كله شموس من ذلك بدره ، ولا يدل مثله على صواب فقبيح بالعوان أن تعلم الخمرة ، ولكن لا بد للقلم من لفتة جيد ، وفلتة نفث تكون كالخال في الوجنة ذات التوريد . وهي الذكر بتقوى اللّه تعالى التي من عدمها فقد باء بخسران متين ، ومن لزمها فقد جاء ، واللّه يتولى رفعة مجده وسعة رفده ، والخط الكريم أعلاه حجة بالعمل بمقتضاه ، واللّه الموفق بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . وقد أوردت كثيرا من كلامه في ترجمته في التاريخ الكبير الذي أسميته الوافي بالوفيات . 1271 - عمر بن سعد اللّه « 1 » الإمام زين الدين الحراني الحنبلي ، المعروف بابن بخيخ - بباء موحدة ، وخاء معجمة مفتوحة ، ساكنة ، وخاء ثانية - . سمع الكثير ، وحضر على الفخر ، وكان بالفقه بصيرا ، وبالنحو خبيرا ، تخرّج بالعلامة

--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 22 / 480 ، والبداية والنهاية : 14 / 227 ، ووفيات ابن رافع : 1 / 267 ، والدرر الكامنة : 4 / 388 ، وشذرات الذهب : 6 / 162 ، والدارس : 2 / 75 .