خليل الصفدي

391

أعيان العصر وأعوان النصر

إلى مصر إلى دمشق إلى مصر كرتين هبة بعد هبة ، مع عطلة تخللت ذاك ، وكاد الأمر يكون حتما بغير انفكاك ، ولكنه لطفت به المقادير ، وأعادت اسمه إلى الدساتير . ولم يزل على حاله ، إلى أن بتر اللّه عمر عمر ، وانقبض انبساطه في الحياة وانقبر ، وتوفي - رحمه اللّه وسامحه - بالقاهرة في الثامن عشر من صفر سنة تسع وأربعين وسبع مائة ، بعد مرض طويل قاسى منه شدة . ومولده في سنة ثلاث وتسعين وستمائة . قدم من قريته إلى صفد ، وقد عذر في عام ستة عشر وسبعمائة - فيما أظن - ، أو قبل ذلك بقليل ، ولازم شيخنا نجم الدين الصفدي ، وأقام في بيته يبيت ويصبح ، واشتغل عليه وكتبه ، وهذّبه ودرّبه ، فكان شيخنا في تلك المدة كاتب سر صفد ، فاستكتبه عنده وتخرّج ، وكان ذكيّا فذاق هذه الصناعة ومهر فيها ، ولما بطل الشيخ نجم الدين من التوقيع كتب زين الدين الدرج للأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الدواوين بصفد ووالي الولاة ، ولما هرب الأمير علم الدين سنجر الساقي من صفد فارا من نائبها الأمير سيف الدين أرقطاي ، توجه زين الدين معه ، فأقام بدمشق مدة ، يتردد إلى شيخنا شهاب الدين أبي الثناء محمود ، وإلى القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، وعرف بين أهل دمشق ، وعامل أهلها معاملة جيدة ، إلى أن أجمعوا على الشكر منه ، والتوجّع له في بطالته ، فأقام بها مدة ، وحضر شمس الدين الجاولي إذ ذاك نائب غزة ، فرأى خط زين الدين وعبارته ، فأعجبه ذلك ، وكان زين الدين شديد المداخلة للناس ، لطيف المؤانسة ، جريا في الإدلال والكلام ، والمشاركة مع صاحب المجلس ، والانخراط في سلكه ، فخاف ابن منصور من تقدّمه ، فعمل عليه ، وأعاده إلى دمشق ، ثم إن الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - جهزه إلى الرحبة موقعا بإشارة القاضي شمس الدين محمد بن شيخنا شهاب الدين محمود - رحمه اللّه تعالى - بعد ما أقام بدمشق بطالا تسع سنين وفأقام بها قريبا من سنتين . ولما توجه القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى مصر ، قال الأمير سيف الدين تنكز لهما : ما بقي في الديوان أحد فذكراه له ، وقالا : يا خوند ، كاتب الرحبة زين الدين الصفدي يصلح أن يكون في باب مولانا ملك الأمراء ، وكان قد خلا مكان القاضي جمال الدين بن رزق اللّه من ديوان الإنشاء بدمشق ؛ لتوجّهه إلى توقيع غزة ، فرسم بإحضار زين الدين إلى دمشق فجاء إليها ، وأقام بها دون السنة ، ثم إن القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه طلبه إلى الديار المصرية ، فأقام يكتب بين يديه قريبا من ثماني سنين ، إلى أن رسم السلطان الملك الناصر محمد للقاضي شهاب الدين بن فضل اللّه بأن يلزم بيته ، فعمل عليه هو الآخر ، وأخرجه السلطان من الديوان ، وأقام في القاهرة مدة ملازم بيته ، ثم