خليل الصفدي

389

أعيان العصر وأعوان النصر

أكثر الأصحاب على جواز النظر إلى الأجنبية في الوجه والكفين ، إذا أمن الفتنة فأنكر ذلك ، ثم اجتمعت به ثاني يوم بالمدرسة القراسنقرية ، فقال : الرافعي : قال ما قلت ، ولكن من أين للرافعي هذا ، وشرع يغالب ويتغلب ، قال : وقلت له يوما : قال النووي : الأصح العفو عن الكثير من دم البراغيث ونحوها مطلقا ، فنازع وحضر منهاج النووي ، فرآه فشرع يؤول . وكان بعض الطلبة يقرأ عليه يوما في أن المعير إذا رجع والذرع قائم ، ولم يكن يحصد قصيلا ، فإنه يبقى إلى الحصاد ، فقال هو : واختلف هنا ، هل عليه الأجرة ؟ وما قالوا بمثل ذلك ، فيما إذا باع مالك الأرض وفيها زرع ، فإنه يبقى ولا أجرة وطلب الفرق ، فقلت : الفرق أن البائع لما زرع تصرّف في ملكه ، والمشتري دخل على الإبقاء ، والتصرف كان في الملك ، فلا يناسب أجره ، والمستعير تصرف في ملك غيره ، والمالك بصدد الرجوع في كل وقت ، لكن التصرف كان الإذن ، فلا يناسب قلع الزرع وضياعه ، ولا إشغال أرض المالك مجانا ، فجمعنا بني المصلحتين ، فأبقيناه حتى لا يفسد ، وألزمناه الأجرة حتى لا يشغل أرضه مجانا ، فنازع نزاعا طويلا لا بالرد النظري إلا بالإساءة ، قال : فتركت الاجتماع به ، ومع ذلك فكان محققا مدققا كثير النقل ، يستحضر النظائر والأشباه ، لم يكن في الفقه في زمنه مثله . انتهى . قلت : ما صنّف شيئا ، ولا انتفع به أحد من الطلبة ، وكان قلّ أن يفتي أحدا ، ويقول لمن يأتيه بالفتوى : أنا ما أكتب لك عليها ، روح إلى القضاة وإلى الذين لهم في الشهر من المعلوم كذا وكذا ، وربما تحيّل عليه بعض الناس ، فيما يرومه منه ، بأن يستصحب معه شابا حسن الصورة ، فإنه كان يميل إلى ذلك لكن مع دين ، وعفاف وتصوّن كثير . ولما دخلت إلى الديار المصرية ، قلت للأمير ناصر الدين محمد بن جنكلي - رحمه اللّه تعالى - : أريد أن أرى الشيخ زين الدين وأجتمع به ، فقال لي : ما تنتفع به ، ولا تنال منه مقصودك ، ولكن اصبر أنا أروح معك إليه ، فتوجّهنا إليه إلى داخل باب السعادة إلى دار الفارقاني ، فصعد بي في سلم حجر أعلاه طبقة ، فطرق الباب ، فقال : من ؟ قال : محمد بن حنكلي ، فقال : ومليحك معك ؟ قال : نعم ، فقام وفتح الباب ، وبشّ بنا وأجلسنا ، وانشرح ، وأحضر شراب ليمون ، وفيه قلب فستق وشراب حماض ، وفيه قلب بندق ، وأطعمنا من ذلك ، وأحضر طعاما شهيا طيبا ، وانشرح لنا مدة إقامتنا عنده ، لما كان معنا بعض مماليك الأمير ، وهو وضيء الوجه ، وفارقنا - رحمه اللّه تعالى - . وكان الشيخ كمال الدين بن الزملكاني - رحمه اللّه تعالى - يثني عليه . وقلت أنا فيه : ( الكامل ) يا من يروم الفقه بردّ أصوله * رقمت حواشيه بكلّ بيان